تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
شعره ، وذكر العماد في خريدة القصر : وكان مجمعاً على ظرفه ولطفه . وحكي أنه دخل يوماً على الوزير الزينبي وعنده الحيص - وقد عمل بيتين لا يمكن أن يعمل لهما ثالث ، لأنه قد استوفى المعنى فيهما ، فقال الوزير : وما هما ؟ فأنشد : زار الخيال بخيلاً مثل مرسله * فما شفاني منه الضم والقبل ما زارني قط إلا كي يوافقني * على الرقاد فينفيه ويرتحل فالتفت الوزير إلى الحيص وقال له : ما تقول في دعواه ؟ فقال : إن أعادهما سمع لهما الوزير ثالثاً ، فقال له الوزير : أعدهما ، فوقف الحيص لحظة ثم أنشد : وما درى أن نومي حيلة نصبت * لطيفه حين أعيى اليقظة الحيل وفيها توفي سلطان المغرب عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي التلمساني ، الذي قام نائباً عن محمد بن تومرت المعروف بالمهدي ، كان أبوه وسيطاً في قومه ، وكان صانعاً في عمل الطين ، يعمل منه الآنية ، فيبيعها ، وكان عاقلاً من الرجال وقوراً . ويحكي أن عبد المؤمن كان في صباه نائماً تجاه أبيه ، أبوه مشتغل بعمله في الطين ، فسمع أبوه دوياً من السماء ، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار ، فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن - وهو نائم - فغطّته ، ولم يظهر من تحتها ، ولا استيقظ لها ، فرأته أمه على تلك الحال ، فصاحت خوفاً على ولدها ، فسكّتها أبوه وقال : لا بأس عليه ، بل إني متعجب مما يدل عليه ذلك ، ثم غسل يده من الطين ، ولبس ثيابه ، ووقف ينظر ما يكون من أمر النحل ، فطار عنه بأجمعه ، فلم ير به أثراً ، ولم يجد به ألماً ، وكان بالقرب منه رجل معروف بالزاجر ، فمضى أبوه إليه فأخبره بما رآه من النحل مع ولده ، فقال الزاجر : يوشك أن يكون له شأن يجتمع على طاعته أهل المغرب - فكان من أمره ما اشتهر - . وجرى له في حرب مراكش فصول يطول شرحها ، ثم ملكها وغيرها بلداً بعد بلد ، وأول ما أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ، ثم فاس ، ثم سلا ، ثم سبتة ، فانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهراً ، ثم ملكها ، واستوثق له الأمر وامتدت مملكته إلى