تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وفيها توفي وقيل في التي بعدها توفي أبو منصور موهوب بن أبي طاهر الجواليقي البغدادي الأديب اللغوي . كان إماماً في فنون الأدب ، وهو متدين ثقة غزير الفضل ، وافي العقل ، مليح الخط ، كثير الضبط صنف التصانيف المفيدة ، وانتشرت عنه مثل شرح أدب الكاتب وثمة درة الغواص في أوهام الخواص للحريري صاحب المقامات ، وسماه : التكملة فيما يلحن فيه الشامة ، إلى غير ذلك ، وله نوادر كثيرة . وكان إماماً للمقتفي بالله . وما زاده في أول دخوله عليه على قوله : السلام على أمير المؤمنين : ورحمة الله تعالى . فقال له اين التلميذ النصراني - وكان قائماً بين يدي المقتفي ، وله ادلال الخدمة والصحبة : ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ ، فلم يلتفت إليه ، وقال للمقتفي : يا أمير المؤمنين ، سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ؛ لو حلف حالف أن نصرانياً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه ، لما لزمته الكفارة ، لأن الله تعالى يختم على قلوبهم ، ولن يفك ختم الله تعالى إلا الإيمان . فقال : صدقت وأحسنت فيما فعلت . فكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه . سمع ابن الجواليقي من شيوخ زمانه ، وأخذ عنه الناس علماً جما ، وينسب إليه قليل من الشعر ، من ذلك هذان البيتان ، وقال بعض المطلعين : وجدتهما من جملة أبيات لابن الخشاب ، وهما : ورد الورى سلسال جوادك فارتووا * ووقفت خلف الورد وقفة حائم حيران أطلب غفلة من وارد * والورد لا يزداد غير تزاحم قلت : لقد أبدع قائلهما في معناهما ، وأجاد وبالغ في مدحه بما تضمنه هذا الإنشاد . وحكى إسماعيل بن الجواليقي المذكور قال : كنت في حلقة والدي يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع القصر - والناس يقرؤون عليه - فوقف عليه شاب وقال : يا سيدي ؛ قد سمعت ببيتين من الشعر ، ولم أفهم معناهما ، وأريد أن تسمعهما مني ، وتعرفني معناهما . فقال : قل ، فأنشد . وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها * وهجرة الناس تصليني بها النارا فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة * إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا فلما سمعهما والدي قال : يا بني ؛ هذا شيء من معرفة علم النجوم ، وتسييرها لأمر صنعه أهل الأدب ، قال : فانصرف الشاب من غير حصول فائدة ، فاستحي والدي من أن