تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
قلت ومن هذا النمط المذكور والعجائب الواقعة في الدهور ما سمعت أنه جاء السيل في جوف الليل ، فحمل قرية - وأهلها نائمون - ورمى بهم في البحر ، وفيهم صبية عروس طفت على ظاهر الماء كأنها محمولة على سرير ، ولم يتغبر كل ما عليها من الطيب والصنعة والحرير بقدرة اللطيف الخبير الذي هو على كل شيء قدير ، فوجدت حية قذفها البحر على الساحل ، وما مشى من المحذور إليها واصل . وفيها توفي السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان التركي : غياث الدين أبو شجاع ، وكان فارساً شجاعاً فحلاً ، ذا بر ومعروف ، وخلف له أربعة أولاد : محمود ومسعود وسليمان وطغرل بك ، وقام بعده ابنه محمود وهو أبن أربع عشرة سنة ، ففرق الأموال ، وقد خلف محمد أحد عشر ألف ألف دينار سوى ما يناسبها من الحواصل . وكان السلطان محمد المذكور لما مات أبوه وقد دخل بغداد ، هو وأخوه سنجر ، فخلع عليهما الإمام المستظهر بالله ، فالتمس محمد المذكور من أمير المؤمنين أن يجلس له ولأخيه فأجيب إلى ذلك ، وجلس لهما في قبة التاج ، وحضر أرباب المناضب وأبناؤهم ، وجلس أمير المؤمنين على سدته ، ووقف سيف الدولة ابن مزيد صاحب الحلة عن يمين السدة - وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى رأسه العمامة وبين يديه القضيب ، وخلع على محمد الخلع السبع التي جرت عادة السلاطين بها ، وألبس الطوق والتاج والسوارين ، وعقد له الخليفة اللواء بيده وقلده سيفين ، وأعطاه خمسة أفراس براكبها ، وخلع على أخيه سنجر خلعة أمثاله ، وخطب لمحمد بالسلطنة في جامع بغداد - كما جرى عادتهم في ذلك الزمان - وذلك في خمس وتسعين وأربع مائة على ما ذكر بعضهم ، وذكر غير واحد من المؤرخين أنها سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة . وذكر بعضهم أن الإمام أبا حامد الغزالي رحمه الله تعالى قال للسلطان محمد ابن ملك شاه : اعلم يا سلطان العالم ، أن بني آدم طائفتان : طائفة عقلاء نظروا إلى مشاهدة حال الدنيا وتمسكوا ابامل العمر الطويل ، ولم يتفكروا في النفس الأخير ، وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخيرة نصب أعينهم ، لينظروا ماذا يكون مصيرهم ، وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها وإيمانهم سالم ، وما الذي ينزل عن الدنيا إلى قبورهم ، وما الذي يتركونه لأعاديهم من بعدهم ، ويبقى عليهم وباله ونكاله . ثم إن السلطان محمداً ابن ملك شاه جرت بينه وبين أخيه بركيا روق حروب يطول