تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
بالأئمة وملاقاة الخصوم ومناظرة الفحول ومناقدة الكبار ، وظهر اسمه في الآفاق ، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق ، حتى أدت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد للتدريس بالمدرسه الميمونة النظامية بها ، فصار إليها ، وأعجب الكل تدريسه ومناظرته ، وما لقي مثل نفسه ، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق ، ثم نظر في علم الأصول - وكان قد أحكمه - فصنف فيه ، وجدد المذهب في الفقه ، فصنف فيه تصانيف ، وسبك الخلاف ، فحرر فيه أيضاً تصانيف ، وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كادت تغلب حشمة الأكابر وأمراء دار الخلافة ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد ممارسة العلوم الدقيقة ، وممارسة الكتب المصنفة فيها ، وسلك طريق التزهد والتألة ، وترك الحشمة ، وطرح ما نال من الدرجة ، ولازم الاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة ، فخرج عما كان فيه ، وقصد بيت الله تعالى ، وحج ودخل الشام ، وأقام في تلك الديار قريباً من عشر سنين ، يطوف ويزور المشهد المعظمة . قلت : هكذا ذكر بعض المؤرخين ، وقد قدمت في فساد ذلك من البيان ما يدل فيه على البطلان ، والمعروف الذي نص عليه أبو حامد في بعض كتبه أنه أقام في الشام سنتين ، نعم ، ذكروا أنه أقام بعد رجوعه في العزلة والخلوات ، وترك الاشتغال والمخالطات قريباً من عشر سنين . قال الشيخ عبد الغفار : وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها ، مثل إحياء علوم الدين ، والكتب المختصرة مثل الأربعين وغيرها من الرسائل التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم ، وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل ، فانقلب شيطان الرعونة وكلب الرئاسة والجاه ، والتخلق بالأخلاق الذميمة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم والتزينات والتزيي بزي الصالحين ، وقصر الأمل ووقف الأوقات ، أو قال : الأوقاف على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم في أمر الآخرة وتبغيض الدنيا ، والاشتغال بها على السالكين ، والاستعداد للرحيل للدار الآخرة الباقية ، والانقياد لكل من يتوسم فيه ، أو يشم منه رائحة المعرفة ، أو يلحظ بشيء من أنوار المشاهدة ، حتى مرن على ذلك ولان ، ثم عاد إلى وطنه ملازماً بيته ، مشتغلاً بالتفكر ، ملازماً للوقت مقصوداً تقياً ، وذخراً للقلوب ولكل من يقصده ، ويدخل عليه إلى أن أتى على ذلك مدة ، وظهرت التصانيف ، وفشت الكتب ، ولم تبد في أيامه مناقضة لما كان عليه ، ولا اعتراض لأحد على ما آثره ، حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل فخر الملك جمال الشهداء تغمده الله