تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
ما ذكره بعض علماء التاريخ . قلت : وكان رضي الله تعالى عنه رفيع المقام ، شهد له بالصديقية الأولياء الكرام ، وهو الحبر الذي باهى به المصطفى سيد الأنام موسى وعيسى - عليه وعليهما أفضل الصلاة والسلام - في المنام الذي رويناها بإسنادنا العالي عن الشيخ الإمام القطب أبي الحسن الشاذلي والذي انتشر فضله في الآفاق . وتميز بكثرة التصانيف وحسنها على العلماء ، وبرع في الذكاء وحسن العبارة وسهولتها ، وأبدع ، حتى صار إفحام الفرق عنده أسهل من شرب الماء . قال الشيخ الإمام الحافظ ذو المناقب والمفاخر السيد الجليل أبو الحسن عبد الغافر الفارسي : محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزالي حجة الإسلام والمسلمين ، إمام أئمة الدين ، لم تر العيون مثله لساناً وبياتاً ونطقاً وخاطراً وذكاء وطبعاً ، ابتدأ في صباه بطرف في الفقه في طوس ، على الفقيه الإمام أحمد الزادكاني ، ثم قدم نيسابور مختلفاً إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان من طوس ، وجد واجتهد حتى تخرج عن مدة قريبة ، وصار أنظر أهل زمانه ، وأوحد أقرانه في أيام إمام الحرمين ، فكانت الطلبة يستفيدون منه ، ويدرس لهم ، ويرشدهم ، ويجتهد في نفسه ، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف . وكان الإمام - مع علو درجته وسمو عبارته وسرعة جريه في المنطق والكلام لا يصفي نظره إلى الغزالي سراً ، لإنافته عليه في سرعة العبارة ، وقوة الطبع ، ولا يطيب له تصديه للتصنيف - وإن كان متخرجاً به منتسباً إليه ، كما لا يخفى من طبع البشر - ولكنه يظهر التبحح به والاعتداد بمكانه ظاهر أخلاق ما يضمره . ويقال على ما ذكره بعض المؤرخين أنه لما صنف كتابه المنخول ، عرضه على إمام الحرمين فقال : دفنتني وأنا حي ، فهلا صبرت إلى أن أموت ؟ لأن كتابك غطى على كتابي . هكذا نقل عن إمام الحرمين - والله أعلم مع كونه بالمحل للذي شهد له بفضله الجملة من أفراد الأئمة ، من ذلك ما تقدم عن الإمام السمعاني أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي قال : تمتعوا بهذا الإمام ، فإنه نزهة هذا الزمان ، يعني أبا المعاني الجويني - رحمة الله عليهم أجمعين - ، وما تقدم من وصفه بإمام الأئمة على الإطلاق ، وغير ذلك مما اشتهر من وصفه بالفضائل ، وبراعته في العلوم في الآفاق ، ثم بقي كذلك إلى أن انقضى أيام الإمام ، فخرج من نيسابور ، وسار إلى العسكر ، واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول ، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته وظهور اسمه وحسن مناظرته وجري عبارته ، وكانت تلك الحضرة محط رحال العلماء ومقصد الأئمة والفصحاء ، فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك