تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
أمير المؤمنين ، لم تبكي ، لا أبكى الله عينك وقد دانت لك الدنيا وبلغت الأماني ؟ فقال : كي لا عن ذل ولا حزن ، ولكن لا تخلو نفسي عن شجن ، فاغتنم طاهر وقال لحسين الخادم ، حب المأمون في خلواته : أريد أن تسأل أمير المؤمنين عن موجب بكائه لما رآني ، ثم أنفذ طاهر للخادم المذكور مائتي ألف درهم . فلما كان في بعض خلوات المأمون ، سأله عن ذلك فقال : مالك ولهذا ؟ ويلك ، فقال : غمني بكاؤك ، فقال : هو أمر إن خرج من رأسك أخذته ، فقال : يا سيدي ، ومتى أبحت لك سراً ؟ فقال : إني ذكرت أخي محمداً وما ناله من الزلة ، فخنقتني العبرة ، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره ، فأخبر الخادم طاهراً بذلك ، فركب طاهر إلى أحمد بن خالد ، فقال له : إن الثناء مني ليس برخيص ، وإن المعروف عندي ليس بضائع ، فغيبني عن المأمون ، فقال : مه ، سأفعل ، فبكر إلى غداء ، وركب ابن خالد إلى المأمون فقال : لم أنم البارحة ، فقال : ولم . قال : لأنك وليت خراسان غساناً وهو من أكلة رأس ، وأخاف أن يصطلمه مصطلم ، قال : فمن ترى . قال : طاهراً ، فقال : هو جائع ، قال : أنا ضامن له ، فدعا به المأمون ، وعقد له على خراسان ، وأهدى له خادماً كان رباه ، مره إن رأى ما يريبه أن يسمه ، فلما تمكن طاهر من ولاية خراسان ، قطع الخطبة للمأمون يوم الجمعة ، فأصبح يوم السبت ميتاً ، فقيل : إن الخادم سمه في كامخ ، ثم إن المأمون استخلف ولد طاهر طلحة ، وقيل : جعله بها نائباً لأخيه عبد الله بن طاهر ، والله أعلم . وفيها توفي الواقدي أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني العلامة قاضي بغداد ، كان يقول : حفظي أكثر من كتبي ، وكانت كتبه مائة وعشرين جملاً في وقت انتقل فيه ، لكن أئمة الحديث ضعفوه ، وكان إماماً عالماً صاحب تصانيف في المغازي وغيرها ، ومنها " كتاب الرعة " ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحاربة الصحابة رضي الله تعالى عنهم بطلحة بن خويلد الأسدي ، والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب ، وما أقص في الكتاب المذكور . سمع من ابن أبي ذئب ، ومعمر بن راشد ، ومالك بن أنس ، والثوري وغيرهم ، وروى عنه كاتبه محمد بن سعد الزهري وجماعة من الأعيان ، وتولى القضاء بشرقي بغداد ، وضعفوه في الحديث ، وتكلموا فيه ، وكان المأمون يكرم جانبه ، ويبالغ في رعايته ، فكتب إليه مرة يشكو ضائقة لحقته ودنيا ركبته يسبها ، وعين مقداره في قصة ، فرفع المأمون فيها بخطه : فيك خلتان ، سخاء وحياء ، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت ، والحياء حملك أن ذكرت لنا بعض دينك ، وقد أمرت لك بضيف ما سألت ، فإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك ، فبجنايتك على نفسك ، وإن كنا بلغنا بغيتك ، فزد في بسط يدك ، فإن خزائن الله