تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
فقال : حياك الله ، ثم قال : يا فلانة ، ما أطعمت ضيفك شيئا ؟ فقالت : نعم ، فدخل الخباء ، وملأ قعباً من لبن ، ثم أتاني به ، فقال اشرب فشربت شراباً هنياً ، فقال : ما أراك أكلت شيئاً . وما أراها أطعمتك ، فقلت : لا والله ، فدخل عليها مغضباً ، فقال : ويلك ، أكلت وتركت ضيفك ؟ قالت : ما أصنع به ؟ أطعمه طعامي . وأخزاها الكلام حتى شجها ، ثم أخذ شفرة ، وخرج إلى ناقة ، فنحرها . فقلت : ما صنعت عافاك الله . قال : لا والله ما يبيت ضيفي جائعاً ، ثم جمع حطباً وأجج ناراً وأقبل يكبب ويطعمني ، ويأكل ويلقي إليها ، ويقول : كلي لا أطعمك الله حتى إذا أصبح ، تركني ومضى ، فقعدت مغموماً ، فلما تعالى النهار أقبل ، ومعه بعير ما يسأم الناظر ، أن ينظر إليه ، فقال : هذا مكان ناقتك ، ثم زودني من ذلك اللحم ، ومما حضره ، فخرجت من عنده ، فضمني الليل إلى خباء ، فسلمت ، فردت صاحبة الخباء السلام ، وقالت : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، فقالت : مرحبا بك ، حياك الله ، وعافاك الله ، فنزلت ، ثم عمدت إلى بر وطحنته وعجنته ، ثم خبزته ، ثم قبضته قبضة روتها بالزبد واللبن ، ثم وضعتها بين يدي وقالت : كل ذا غدر ، فلم ، أن أقبل أعرابي كريه الوجه ، فسلم ، فرددت عليه السلام ، فقال : من الرجل . فقلت : ضيف ، فقال : وما يصنع الضيف عندنا ؟ ثم دخل إلى أهله فقال : أين طعامي . فقالت : أطعمته الضيف ، فقال : أتطعمين طعامي الأضياف ؟ . فتحاربا الكلام ، فرفع عصاه ، وضرب رأسها فشجها ، فجعلت أضحك ، فخرج إلي وقال : ما يضحكك . فقلت : خير ، فقال : والله لتخبرني ، فأخبرته بقصة المرأة والرجل اللذين نزلت عليهما قبله ، فأقبل علي وقال : إن هذه التي عندي ، أخت ذلك الرجل ، وتلك التي عنده أختي ، فبت متعجباً وانصرفت . وحكى الهيثم أيضاً قال : صار سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي الذي كان يسمى الصمصامة ، إلى " موسى الهادي " فجرد الصمصامة وجعله بين يديه ، وأذن للشعراء ، فدخلوا عليه ، ودعا بمكتل فيه بدرة ، وقال : قولوا في هذا السيف ، فبدر ابن يامين البصري ، وأنشد : حاز صمصامة الزبيدي عمرو * من بين جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو ، وكان فيما سمعنا * خير ما أغمدت عليه الجفون أخضر اللون بين خديه برد * من دباج ، يمس فيه المنون أوقدت فوقه الصواعق ناراً * ثم شابت به الذعاف المنون فإذا سللته بهر الشمس * ضياء فلم تكد تستبين ما يبالي من انتضاه لضرب * أشمال سطت به أم يمين ؟ . وكأن الفرند والجوهر الجا * ري في صفحته ماء معين مع أبيات أخرى ، فقال الهادي : أصبت والله ما في نفسي ، واستخفه السرور ، فأمر له كتل والسيف ، فلما خرج ، قال للشعراء : شأنكم بالمكتل ، ففي السيف عناني ، قال في مروج الذهب : فاشتراه الهادي منه بخمسين ألفاً .

سنة سبع ومائتين

فيها توفي طاهر بن الحسين الخزاعي وقيل : مولاهم الملقب ذا اليمينين ، كان من أعوان المأمون ، فسيره إلى محاربة أخيه الأمين من خراسان ، لما خلع الأمين بيعته ، تقدم ذكر ذلك ، وما جرى له في كسر الجيش الذي سيره الأمين مع علي بن عيسى بن ماهان وأخذه بغداد وقتله للأمين ، وكان المأمون يرعى له خدمته ومناصحته ، وكان أديباً