تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
عشرة أوراق بدرهم ، وقال لأصحابه : اجتمعوا حتى أملي عليكم كتاباً في القرآن ، فلما حضروا أمر قارئاً أن يقرأ فاتحة الكتاب ، فقرأها ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك . وكتابه المذكور نحو ألف ورقة ، وهو كتاب لم يعمل مثله . وكان المأمون قد وكله يلقن ابنيه النحو ، فلما كان يوما أراد النهوض لبعض حوائجه ، فابتدرا إلى نعليه ، أيهما يسبق بتقديم النعلين إليه ، فتنازعا ثم اصطلحا ، على أن يقدم كل واحد منهما نعل إحدى رجليه ، وكان للمأمون على كل شيء صاحب خبر برفع الخبر إليه ، فأعلمه بذلك ، فاستدعى بالفراء وقال له : من أعز الناس ؟ قال ما أعز من أمير المؤمنين ، قال : بلى ، من إذا نهض يقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين ، قال : يا أمير المؤمنين ، لقد أردت منعهما عن ذلك ، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها ، أو كسر نفوسهما عن شريعة حرصًا عليها . وقد روي عن ابن عباس ، أنه أمسك للحسن والحسير رضي الله تعالى عنهم ركابيهما حين خرجا من عنده ، فقيل له في ذلك ، فقال : لا يعرف الفضل إلا أهل الفضل ، فقال المأمون لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً ، وألزمتك ذنباً ، وما وضع ما فعلاه من شرفهما ، بل رفع من قدرهما ، وبين عن جوهرهما ، فليس يكسر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث : عن تواضعه بسلطانه ، ووالده ومعلمه ، وقد عوضتهما مما فعلاه عشرين ألف دينار ، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما . وقال الخطيب : كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء ، فقال الفراء يوماً له ، قل رجل أمعن النظر في باب من العلم ، فأراد غيره ، إلا سهل عليه ، فقال له محمد : يا أبا زكريا ، قد أمعنت النظر في العربية ، فنسألك في باب من الفقه ، فقال : هات على بركة الله ، قال : ما تقول في رجل سها في السجود السهو ؟ ففكر الفراء ساعة ثم قال : لا شيء عليه ، فقال له : ولم ؟ فقال : لأن المصغر لا يصغر ثانياً ، وإنما السجدتان تمام الصلاة ، فليس للتمام تمام ، فقال محمد : ما ظننت آدمياً يلد مثلك . قلت : وهذه الحكاية مذكورة في ترجمة الكسائي ، وإنه هو صاحب هذا الجواب ، والله تعالى أعلم . وقال سلمة بن عاصم : إني لأعجب من الفراء ، كيف كان يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه ، وقال الفراء : أموت ، وفي نفسي شيء من " حتى " ، لأنها تخفض وترفع وتنصب ، وله من التصانيف كتاب الحدود ، وكتاب المعاني ، وكتابان في المشكل ، وكتاب اللغات ، وكتاب المصادر في القرآن ، وكتاب الوقف والابتداء ، وكتاب النوادر ، وكتب أخرى . وقال سلمة بن عاصم : أملى الفراء كتبه كلها حفظاً ، لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين : كتاب ملازم وكتاب نافع ، وإنما قيل له الفراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 31 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي