تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وحكي عن ثمامة بن الأشرس النميري المعتزلي وكان خصيصاً بالمأمون أنه صادف الفراء ، على باب المأمون يروم الدخول عليه ، قال : فرأيت أبهة أديب ، فجلست إليه ، ففاتشته عن اللغة ، فوجدته بحراً ، وفاتشته عن النحو ، فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم ، وبالنجوم ماهراً ، وبالطب خبيراً ، وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً ، فقلت : من تكون ؟ . وما أظنك إلا الفراء ؟ . قال : أنا هو ، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون ، فأمر بإحضاره لوقته ، وكان ذلك سبب إيصاله به . وقال قطرب : دخل الفراء على الرشيد ، فتكلم بكلام لحن فيه مرات ، فقال جعفر بن يحيى بن البرمكي : إنه قد لحن يا أمير المؤمنين ، فقال الرشيد : أتلحن ؟ فقال الفراء : يا أمير المؤمنين ، إن طباع أهل البدو الأعراب ، وطباع أهل الحضر اللحن ، فإذا تحفظت لم ألحن ، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت ، فاستحسن الرشيد قوله . قلت : وأيضاً فإن عادة المنتهين في النحو لا يتشدقون بالمحافظة على إعراب كل كلمه عند كل أحد ، قد يتكلمون بالكلام الملحون تعمداً على جاري عادة الناس ، وإنما يبالغ في النحو والتحفظ عن اللحن في سائر الأحوال ، فالمبتدئون إظهاراً لمعرفتهم بالنحو وكذلك يكثرون البحث والتكلم بما هم مترسمون به من بعض فنون العلم ، ويضرب لهم مثل في ذلك ، فيقال ، الإناء إذا كان ملآن كان عند حمله ساكناً ، وإذا . كان ناقصاً اضطرب ، وتخضخض بما فيه . وحكى الخطيب : أن المأمون أمر الفراء أن يؤلف ما يجمع أصول النحو ، وما سمع من العربية ، وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار ، وأن يوصل إليه كل ما يحتاج إليه ، ، فأخذ في جمع ذلك والوراقون يكتبون حتى فرغ من ذلك في سنتين ، وسماه " كتاب الحدود " وأمر المأمون بكتبه في الخزائن ، وبعد الفراغ خرج من ذلك إلى الناس ، وابتدأ " بكتاب المعاني " . قال الراوي : فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني ، فلم يضبطهم عدد ، فعددنا القضاة وكانوا ثمانين قاضياً ، لم يزل يمليه إلى أن أتمه . ولما فرغ من " كتاب المعاني " خزنه الوراقون عن الناس ليكتبوا ، وقالوا : لا نخرجه إلا من أراد أن ينسخه على خمس أوراق بدرهم ، فشكا الناس إلى الفراء ، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك ، فقالوا : إنا صحبناك لننتفع بك ، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ، ما بهم إلى هذا الكتاب ، فدعنا نعيش به ، قال : فقاربوهم ينتفعوا وتنتفعوا ، فأبوا عليه ، فأراد أن ينشئ للناس كتاباً أحسن من ذلك ، فجاء الوراقون إليه ، ورضوا بأن يكتبوا للناس كل