منازل الحب في قلبي معظمة * وإن خلا من نعيم الوصل منزلها
فكيف أتركها ، والقلب يتبعها * حباً لمن كان قبل اليوم ينزلها
قال : فتركتها ومضيت ، وقد وقع شعرها من قلبي موقعاً ، وأزاد قلبي تولعاً .
قلت : ومن العبر العظيمات مما يناسب هذه الحكاية في سرعة الممات أنها قرئت علي هذه الترجمة لأبي القاسم الجنيد في منزلي ، في بعض الليالي ، وأنا حينئذ في المدينة الشريفة ، وكانت زوجتي زينب بنت القاضي نجم الدين الطبري تسمع قراءتها ، فذكرت في تلك الليلة شيئاً من هذه الحكاية ، مما كان على ذهني منها . ثم أردت أن أكتبها ، وألحقها بالترجمة المذكورة لنسمعها في ليلة أخرى زوجتي المشار إليها ، فما تيسرت كتابتها إلا اليوم الثالث من موتها ، ولا قرأنا شيئاً من هذا التاريخ في بيتها سوى ليلة ، وقد نزل مرض الموت بها رحمها الله تعالى وأنزلها . داراً خيراً من دارها .
وفي السنة المذكورة توفي الشيخ الكبير العارف بالله تعالى الشهير أبو عثمان الحيري " بكسر الحاء المهملة والراء وسكون الياء المثناة من تحت بينهما " سعيد بن إسماعيل ، شيخ نيسابور في زمانه ، وواعظها وكبير الصوفية بها . صحب الشيخ الكبير الجليل أبا حفص النيسابوري ، وكان كبير الشأن مجاب الدعوة .
سنة تسع وتسعين ومائتين
فيها توفي شيخ نيسابور ، أبو عمرو الخفاف ، أحمد بن نصر الحافظ الزاهد . سمع إسحاق بن راهويه . وقال ابن خزيمة يوم وفاته : لم يكن بخراسان أحفظ للحديث منه .
وفيها توفي أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان البغدادي النحوي ، صاحب التصانيف في القراءة والجريب والنحو . وكان أبو بكر بن مجاهد يعظمه ويطريه ويقول : هو أنحى من الشيخين . يعني ثعلباً والمبرد .
ثلاث مائة
فيها توفي صاحب الأندلس : أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية الأموي . وكانت دولته خمساً وعشرين سنة . ولي بعد أخيه المنذر ، وكان ذا صلاح وعبادة وعدل وجهاد ، يلتزم الصلوات في الجامع ، وله غزوات كبار ، أشهرها غزوة ابن حفصون ، وكان ابن حفصون في ثلاثين ألفاً ، وهو في أربعة