تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
والفلاسفة لدقة كلامه ، والشعراء لفصاحته ، والمتكلمون لمعانيه وكلامه ، ناء عن فهمهم وكان رضي الله تعالى عنه من صغره منطقاً بالمعارف والحكم ، حتى أن خاله السري سئل عن الشكر والجنيد يلعب مع الصفار فقال له : ما تقول يا غلام . فقال : الشكر أن لا تستعين بنعمة على معاصيه ، فقال السري : ما أخوفني عليك أن يكون حظك في لسانك . قال الجنيد : فلم أزل خائفاً من قوله هذا حتى دخلت عليه يوماً ، وجئته بشيء كان محتاجاً إليه فقال لي : أبشر فإني دعوت الله عز وجل أن يسوق لي ذلك على يد مفلح ، أو قال : موفق ، اللهم إنا نسألك التوفيق ، ونعوذ بك من الخذلان والتعويق ، بجاه نبيك الكريم ، عليه أفضل الصلاة والتسليم . وعن الأستاذ أبي القاسم المذكور أنه قال : دخلت الكوفة في بعض أسفاري ، فرأيت داراً لبعض الرؤساء ، وقد سف عليها النعيم ، وعلى بابها عبيد وغلمان ، وفي بعض رواشتها جارية تغني وتقول : ألا يا دار لا يدخلك حزن * ولا يعبث بساكنك الزمان فنعم الدار أنت لكل ضيف * إذا ما الضيف أعوزه المكان قال : ثم مررت بعد مدة ، فإذا الباب مسود ، والجمع مبدد ، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان ، وأنشد لسان الحال : ذهبت محاسنها وبان شجونها * والدهر لا يبقي مكاناً سالماً فاستبدلت من أنسها بتوحش * ومن السرور بها عزاء وغما قال : فسألت عن خبرها ، فقيل لي : مات صاحبها ، فآل أمرها إلى ما ترى . فقرعت الباب الذي كان لا يقرع ، فكلمتني جارية بكلام ضعيف ، فقال لها : يا جارية ، أين بهجة هذا المكان ؟ . وأين أنواره ؟ وأين شموسه ؟ وأين أقماره ؟ . وأين قصاده ؟ . وأين زواره ؟ فبكت ، ثم قالت : يا شيخ ، كانوا فيه على سبيل العلوية ، ثم نقلتهم الأقدار إلى دار القرار ، وهذه عادة الدنيا ، ترحل من سكن فيها ، وتسيء إلى من أحسن إليها . فقلت لها : يا جارية ، مررت بها في بعض الأعوام ، وفي هذا الروشن جارية تغني : " ألا يا دار لا يدخلك حزن " ، فبكت وقالت : أنا والله تلك الجارية ، لم يبق من أهل هذه الدار أحد غيري ، فالويل لمن غرته دنياه . فقلت لها : فكيف قربك القرار في هذا الموضع الخراب ؟ فقالت لي : ما أعظم جفاءك ، أما كان هذا منزل الأحباب ؟ ثم أنشأت : قالوا اتغني وقوفاً في منازلهم * وليس مثلك لا يغني بحملها فقلت والقلب قد ضجت أضالعه * والروح تنزع والأشواق تبدلها
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 175 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي