بعدي ، وكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته . وقال ميمون بن مهران : رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذري المؤرخ فسألته عن حاله فقال : كنت من جلساء المستعين بالله ، يقصده الشعراء فقال : لست أقبل إلا ممن قال مثل البحتري في المتوكل .
لو أن مشتاقاً تكلف غير ما * في وسعه لسعى إليك المنبر
قال فرجعت إلى بيتي وأتيته وقلت : قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري ، فقال : هاته ، فأنشدته :
ولو أن برد المصطفى إذ لبسته * يظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال فقد أعطيته ولبسته * نعم ، هذه أعطافه ومناكبه
فقال ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به . فرجعت فبعث إلي بسبعة الألف دينار وقال ادخر هذه لحوادث من بعدي ، ولكن على الجزاية والكفاية ما دمت حياً . قلت : ولا يخفى ما في بيتيه المذكورين من الخروج إلى حيز الكفر من تشبيهه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . وللمتنبي في معنى قول البحتري في المنبر .
لو تعقل الشجر التي قابلتها * مدت محبتها إليك الأغصنا
وسبقهما أبو تمام بقوله :
لوسعت نفقة لإعظام نعمي * لسعى نحوك المكان الجديد
والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها يمدح بها المتوكل على الله ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر وأولها .
أخفي هوى في الضلوع وأظهر * وألام من كمد عليك وأعذر
والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكر للبحتري .
بالبر صمت وأنت أفضل صائم * وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بيوم الفطر عيداً إنه * يوم أعز من الزمان مشهر
أظهرت عز الملك فيه بجحفل * لجب يحاط الدين فيه وينصر
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت * عدداً يسيرها العديد الأكبر
فالخيل تصهل والفوارس تدعي * والبيض تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعة تميد بنقلها * والجو معتكر الجوانب أغبر
والشمس طالعة توقد في الضحى * طوراً ويطفئها العجاج الأكدر
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 153
مساهمون: خليل المنصور
ص١٥٣