تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩

سنة أربع وخمسين ومائتين

فيها توفي العسكري أبو الحسن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بر موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني . عاش أربعين سنة ، وكان متعبداً فقيهاً إماماً ، استفتاه المتوكل مرة ، ووصله بأربعة آلاف درهم وهو أحد الاثني عشر الذين تعتقد الشيعة الغلاة عصمتهم . وكان قد سعي به إلى المتوكل ، وقيل له : إن في منزله سلاحاً وكتباً ، وأوهموه أنه يطلب الخلافة ، فوجه من هجم عليه وعلى منزله ، فوجدوه وحده في بيت مغلق ، وعليه مدرعة من شعر ، وعلى رأسه ملحفة من صوف ، وهو مستقبل القبلة ، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى ، وهو يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ، فحمل إليه على الصفة المذكورة ، فلما رآه عظمه وأجلسه إلى جنبه . وكان المتوكل يشرب وفي يده كأس ، فناوله الكأس الذي في يده فقال : يا أمير المؤمنين ، ما خامر لحمي وعظمي قط ، فاعفني عنه . فعفاه ، وقال له : أنشدني شعراً أستحسنه ، فقال : إني لقليل الرواية للشعر . قال : لا بد أن تنشدني ، فأنشده : باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال ، فلم ينفعهم القلل واستنزلوا بعد إعراض معاقلهم * فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعدما قبروا * أين الأسرة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت منغمة * من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين سائلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قال : فأشفق من حضر على العسكري ، وظنوا أن بادرة تبدر إليه ، فبكى المتوكل بكاء طويلاً حتى بلت دموعه لحيته ، وبكى من حضره ، ثم أمر برفع الشراب وقال : يا أبا الحسن ، أعليك دين . قال : نعم أربعة آلاف ، فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرماً . وكانت ولادته في ثالث عشر رجب ، وقيل في يوم عرفة سنة أربع ، وقيل ثلاث عشرة ومائتين . وقيل له العسكري : لأنه لما كثرت السباية في حقه عند المتوكل أحضره من المدينة وكان مولده بها وأقره بسر من رأى ، وهي تدعى بالعسكر ، لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فقيل له : العسكر ، ثم نسب أبو الحسن المذكور إليها ، لأنه أقام بها عشرين سنة وأشهراً ، وتوفي بها ، ودفن في داره رحمة الله عليه . وفيها توفي العتبي صاحب العتبة في مذهب مالك ، وهو محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة الأموي العتبي القطري الأندلسي الفقيه ، أحد الأعلام ببلده . أخذ عن