عنه . فانطلقوا بها إلى أهله ، فلما توسطت الدار نظرت إلى حفرة في وسط دار يزيد قد أعدت للمطر ، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشدت :
من مات عشقاً فليمت هكذا * لا خير في عشق بلا موت
فألقت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت ، فسري عن محمد ، وأجزل صلتي ، وقال أبو القاسم السيرافي : حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد ، فجرى ذكر جاحظ ، فقص عنه بعض الحاضرين وأزرى به ، وسكت الوزير عنه ، فلما خرج الرجل قلت : اسكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله ، فقال : لم أجد في مقابلة مقالته أبلغ من تركه على جهله ، ولو وافيته وبينت له النظر في كتبه صار لك إنساناً يا أبا القاسم . فكتب الجاحظ : تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً . ولم أستصلحه لذلك ، قلت : يعني لم أره أهلاً لذلك . وكان الجاحظ في أواخر عمره قد أصابه الفالج ، وكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته ، والنصف الأيسر لو قرض مقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده . وكان يقول في مرضه : اصطلحت على جسدي الأضداد : إن أكلت بارداً أخذ برجلي ، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي . أنا من جانبي الأيسر مفلوج ، لو قرض بالمقاريض ما علمت ، ومن جانبي الأيمن منقرس ، فلو مر به . الذباب لتألمت ، وبي حصاة لا ينشرح لي البول معها ، وأشد ما علي ست وتسعون سنة . وكان ينشد :
أترجو أن تكون وأنت شيخ * كما قد كنت أيام الشباب
لقد كربتك نفس لبس ثوب * دريس كالجديد من الثياب
وحكى بعض البرامكة قال : كنت توليت السند ، فأقمت بها ما شاء الله ثم اتصل بي ، انصرفت عنها وكنت قد كسبت ثلاثين ألف دينار ، فخشيت أن يفجأني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه ، فصنعته عشرة آلاف أهليلجة ، وكل أهليلجة ثلاثة مثاقيل . ولم يمكث الصارف أن أتى ، فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة ، فخبرت أن الجاحظ بها أنه عليل بالفالج ، فأحببت أن أراه قبل وفاته ، فصرت إليه ، فأفضيت إلى باب دار لطيف ، فقرعته فخرجت إلي خادمة صفراء فقالت : من أنت . فقلت رجل غريب ، وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ ، فبلغته الخادمة ما قلته ، فسمعته يقول : قولي له : وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حابل ؟ فقلت للجارية : لا بد من الوصول إليه ، فلما بلغته قال : هذا رجل اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فأراد الاجتماع بي ليقول : قد رأيت الجاحظ . ثم أذن لي
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 122
مساهمون: خليل المنصور
ص١٢٢