وحضر المهاجرون والأنصار وأجمع رأيهم على علي بن أبي طالب بالإجماع منهم
أنه أولى بها من غيره ، وأنه لا نظير له في زمانه فقاموا إليه حتى استخرجوه من منزله .
ومضى علي بن أبي طالب إلى طلحة بن عبيد الله ، فقال له : إن الناس قد اجتمعوا
على أن يبايعوا لي ولا حاجة لي في بيعتهم ، فابسط يدك يبايعك الناس على كتاب الله
وسنة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال له طلحة : أنت أولى بذاك مني ، وأحق به
لفضلك وسابقتك وقرابتك ، وقد استجمع لك من هؤلاء الناس ما قد تفرق علي / 13 /
قال له علي : إني أخاف أن تغدر بي وتنكث بيعتي ، قال : لا تخافن ذلك فوالله لا تؤتى
من قبلي بشئ تكرهه ، قال : الله عليك بذلك كفيل ؟ قال : الله علي به كفيل .
فأتى الزبير ، فقال له مثل ذلك ، ورد عليه مثل طلحة .
فمضى علي بن أبي طالب إلى منزله إرادة التأني والتوكيد .
فرجع الناس إليه وهم متوافرون مجتمعون فاستخرجوه من داره ، وقالوا له :
ابسط يدك نبايعك ؟ فقبضها ومدوها ، ولما رأى تداكهم عليه ، واجتماعهم ، قال :
لا أبايعكم إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا ، فإن كرهني قوم لم أبايع .
فأتى المسجد وخرج الناس إلى المسجد ، ونادى مناديه .
فيروى عن ابن عباس أنه قال : إني والله لمتخوف أن يتكلم بعض السفهاء ، أو
من قتل علي أباه أو أخاه في مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول : لا حاجة
لنا بعلي بن أبي طالب فيمتنع من البيعة .
قال : فلم يتكلم أحد إلا بالتسليم والرضا .
ثم قال في بعض كلامه رضي الله عنه .
كنت والله كارها للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( 1 ) حتى أكرهتموني
هامش
( 1 ) وذلك لأجل اعتيادهم بالترفه والأثرة في أيام السابقين ، وانحرافهم عن محجة العدالة الإسلامية ، ورغبتهم
إلى الأثرة والاستبداد بالمصالح الشخصية والنزعات الطائفية ، ونسيانهم ما كان النبي صلى الله عليه وآله
يسلك بهم من الايثار وتقوية نزعة السماح والجود والكرم ، واجتثاث جذور البخل والحرص ومذام الشيم .