الوجه الثاني : تطبيق القاعدة على خيار الغبن بلحاظ الضرر الحقّيّ الموجود في المقام ، باعتبار أنّ العقلاء يرون للمغبون حقّ الخيار ، فسلب هذا الحقّ عنه ضرر عليه ، فقاعدة ( لا ضرر ) تدلّ على إمضاء هذا الحقّ . وهذا الوجه سالم عن أهمّ تلك الإشكالات التي كانت تورد على الوجه الأوّل المشهور ، فلو فرضت تماميّتها قلنا : إنّنا في غنى عن ذلك الوجه ببركة هذا الوجه :
ويمكن تحليل هذا الحقّ العقلائي بوجوه :
1 - كون الغبن بما هو منشأ لحقّ الخيار للمغبون في نظر العقلاء .
2 - أنّ البيع يشتمل عرفا على شرط ضمنيّ ، وهو شرط انحفاظ مقدار ماليّة المال وعدم الغبن ، وأنّ العرف يرى أنّ فوات هذا الشرط يكون موجبا لضمانه ، وأنّه يرى أنّ ضمانه يكون بالخيار وحقّ الفسخ . وقد أشار إلى ذلك المحقّق العراقي قدّس سرّه [ 1 ] ، ونحن حذفناه فيما مرّ حينما كنّا ننقل كلامه قدّس سرّه في خيار الغبن .
3 - أنّ البيع يشتمل عرفا على الشرط الضمني كما قلنا في الوجه الثاني ، وأنّ تخلَّف الشرط في نفسه يوجب في نظر العقلاء حقّ الخيار دونما حاجة إلى توسيط الضمان كما في الوجه الثاني . ومن هنا يكون هذا الوجه أحسن من سابقه ، إذ قد يقال في مقابل الوجه السابق : إنّه إذا صار البناء على كون الخيار بتوسّط ضمان الشرط الفائت فلا نقبل أنّ العقلاء يرون ضمانه بخصوص حقّ الفسخ دون الأرش .
4 - إرجاع خيار الغبن إلى خيار تخلَّف الشرط كما في الوجه السابق ، وإرجاع
شرح
[ 1 ] كأنّ المقصود بضمان هذا الشرط في نظر العرف : أنّ مقدار الماليّة المشروط انحفاظه مضمون على الغابن ، فإذا فاته لا بدّ من تداركه وإرجاعه بالفسخ ، فإنّه إذا فسخ ورجع المال إلى ملك الغابن فقد حصل على مقدار الماليّة مرّة أخرى .
ويرد عليه ما سيشير إليه أستاذنا في ذيل الوجه الثالث من أنّ الأرش - أيضا - يفي بهذا الغرض ، وبه ينحفظ مقدار الماليّة مرّة أخرى ، فلما ذا يعيّن الفسخ ؟ وعلى أيّ حال ، فالمفهوم من كلام المحقّق العراقي رحمه اللَّه في المقالات : ج 2 ، ص 118 ليس هو ما نسبه إليه أستاذنا قدّس سرّه من أنّ العرف يرى ضمان هذا الشرط ، وأنّ ضمانه بخيار الفسخ ، وفي طول ذلك يأتي ( لا ضرر ) ليثبت هذا الضمان الَّذي فرضه العرف ، لأنّ نفيه ضرر ، بل المفهوم منه أنّه بعد أن كان تفويت الشرط ضررا فنفي الضرر يوجب تدارك هذا الضرر بالخيار . وما نسبه أستاذنا رحمه اللَّه إليه خير ممّا هو المفهوم من عبارته ، لأنّ ما هو المفهوم من العبارة يتوقّف على تفسير ( لا ضرر ) بمعنى تدارك الضرر ، وهو غير صحيح .