ارتفاع الحكم الشرعي مثلا كوجوب الوضوء حينما يصير ضرريّا ، ثبت أحدهما إجمالا ، فإن وجد دليل يخالفهما معا حصل التعارض ، وإن كان الدليل يخالف أحدهما فقط كمخالفة إطلاق دليل وجوب الوضوء للمعنى الثاني ، تعيّن الآخر .
وأمّا بلحاظ الأمر الثالث فالخبر هنا قطعيّ .
الطريق الثالث : أن تصحّح مرسلة الصدوق حيث نقل مرسلا عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أنّه قال : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » . وذلك بتقريب : أنّ الخبر المرسل إذا كان بلسان ( قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله مثلا ، لا بلسان ( روي عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، واحتملنا احتمالا عقلائيّا كون هذا النقل مستندا إلى التواتر أجرينا أصالة الحس في الأخبار الحاكمة بكون المخبر أو ما يلازمه عادة محسوسا ، فيثبت التواتر هنا تعبّدا ، وذلك لأنّ احتمال كون هذا الحديث متواترا في زمان الصدوق رحمه اللَّه موجود احتمالا عقلائيّا ، وكيف لا وقد مضى منّا ميل النّفس إلى دعوى التواتر عندنا فكيف لا نحتمل ثبوت التواتر عند الصدوق رحمه اللَّه وأنّ هذا الحديث النبوي كان متواترا - عندئذ - وإن لم يصل إلينا بشكل التواتر بسبب أنّ الأخبار النبويّة المرويّة عن غير طرق الأئمة عليهم السلام لم يكن البناء على كتبها وضبطها من قبل الإماميّة ، وإنما كانوا يهتمّون بكتابة ما يصدر عن الإمام عليه السلام ، لكون النصوص النبويّة واضحة متواترة - يومئذ - كالقرآن ، فلم يحسّ بحاجة إلى كتبها . وهذا ما أدّى بالتدريج إلى انطماس تلك الآثار النبويّة . فنحن حينما نرى نصّا نبويّا نقول : إنّ هذا مرسل لا عبرة به . وعليه فلا استبعاد في كون هذا الخبر في زمان الصدوق رحمه اللَّه متواترا .
وهذا الطريق إن تمّ وحده فأثره بلحاظ الأمر الأوّل هو : عدم الابتلاء - أيضا - بتهافت المتن ، لأنّه لا يثبت بذلك إلَّا مرسلة الصدوق رحمه اللَّه . وأمّا باقي المراسيل كإرسال العلامة وصاحب مجمع البحرين فهي مذكورة في كتاب فقهي أو لغوي ، فكان ناقلها بصدد الاستدلال على الفتوى ، أو الاستشهاد في اللغة مثلا ، فليس للكلام - عندئذ - ظهور في التصدّي للنقل عن حسّ حتّى تجري أصالة الحسّ .
وأثره بلحاظ الأمر الثاني - أيضا - هو : أن تحدّد جهات القاعدة عن طريق تحديد ما يستفاد من خصوص صيغة « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » .
وأثره بلحاظ الأمر الثالث هو : أنّ هذا الخبر ظنّي لا قطعيّ ، لأنّه ثبت بالتواتر تعبّدا .
والتحقيق : عدم تماميّة هذا الطريق ، فإنّنا وإن كنّا نحتمل عقلائيّا تواتر رواية ( لا ضرر ولا ضرار ) في ذلك العصر ، لكنّنا لا نحتمل تواتر هذه الصيغة المشتملة على كلمة ( في الإسلام ) ، لعدم وجود أيّ عين أو أثر عنها في كتب الأخبار الشيعيّة والسنيّة معا ، خصوصا أنّ الصدوق رحمه اللَّه كان ينظر بالخصوص إلى كلمة ( في الإسلام ) ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 503
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٠٣