الموقف الثاني : ما سلكه المحقّق العراقي قدّس سرّه ( 1 ) والسيّد الأستاذ ( 2 ) ، وهو أنّ الأصول لم تكن متساقطة بالتعارض ، بل كانت غير جارية بنفسها لمنجّزيّة الاحتمال قبل الفحص على فرق بين كلام المحقّق العراقي والسيّد الأستاذ ، فالمحقّق العراقي ذكر احتمال وجود خبر الثقة وقال : إنّ هذا منجّز قبل الفحص . والسيّد الأستاذ ذكر احتمال الواقع ، وقال : إنّه منجّز قبل الفحص . وروح المطلب واحد ، وهو أنّ الاحتمال قبل الفحص ليس مجرى للبراءة ، بل هو منجّز ، وفي كلّ مورد فحصنا ولم نجد خبر ثقة نجري في خصوص ذلك المورد البراءة ، ولا معارض لها إلى أن نفحص عن تمام الموارد ، فنجري البراءة عن التكليف في خصوص الموارد التي ليس فيها خبر ثقة ، ولا معارض لهذه البراءة . وهذا الكلام متين ، إلَّا أنّ معنى ذلك : هو الاعتماد في إبطال البراءة قبل الفحص على وجه آخر غير العلم الإجمالي . فالمحقّق العراقي قدّس سرّه الَّذي لم يذكر في المقام أيّ وجه لعدم جريان البراءة قبل الفحص عدا العلم الإجمالي ، لا ينسجم موقفه في المسألة الأولى في مقابل الأخباري مع موقفه فيما نحن فيه ، لاقتصاره في نفي البراءة قبل الفحص على مسألة العلم الإجمالي ، وهذا يعني أنّه بغض النّظر عن العلم الإجمالي لا مانع عن إجراء البراءة قبل الفحص ، وعليه فيرجع إشكال الأخباري في مبحث البراءة والاشتغال
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 438
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٣٨
شرح
- وبالإمكان أن يدمج هذا الموقف مع ما سيأتي في المتن من الموقف الثالث ، فيقال : إنّ الأصول المؤمّنة في مورد أخبار الثقات غير جارية ابتداء إمّا للقول بأنّ التنافي بين الأحكام الظاهريّة ثابت قبل الوصول ، أو لأنّ أخبار الثقات الحجّة واصلة منذ البدء وصولا إجماليّا .
أمّا لو قلنا بأنّ الأخبار الحجّة غير واصلة إلينا في أوّل أزمان العلم الكبير ، لأنّ العلم الكبير ثابت في بدء بلوغ المكلَّف ، وفي بدء البلوغ قد لا يعلم المكلَّف بوجود أخبار حجّة ، بل يحتمل الانسداد مثلا ، فالأولى - عندئذ - أن يحذف هذا المقطع ، ويقتصر في الموقف الأوّل على ذكر الانحلال الحقيقي ، وفي الموقف الثالث على ذكر أنّ أخبار الثقات منعت عن جريان الأصول في موردها منذ البدء ، لأنّ الأحكام الظاهريّة تتعارض فيما بينها حتّى قبل الوصول .
هامش
( 1 ) لم أر ذلك في كلمات المحقّق العراقي رحمه اللَّه ، بل هو يرى أنّ دليل البراءة الشرعيّة يشمل ما قبل الفحص ما لم يمنع عنه مانع كالعلم الإجمالي . راجع المقالات : ج 2 ، ص 108 ، ونهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 469 . .
( 2 ) راجع مصباح الأصول : ج 2 ، ص 493 . .