تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
متى أمرتكم بكلَّيّ فاحملوا هذا الأمر على مطلق الوجود لا صرف الوجود . وهذا أيضا غريب ، فإنّه أوّلا : لا ينطبق على مورد الكلام ، لأنّ الأمر بالحجّ لا يراد منه مطلق الوجود . وثانيا : أنّ مثل هذه القاعدة غريبة عن لسان الشارع في مجموع خطاباته ، لأنّ أغلب الأوامر الشرعيّة مبنيّة على صرف الوجود لا على مطلق الوجود ، فتأسيس قاعدة تقتضي حمل كلّ أمر وارد في لسان الشرع على مطلق الوجود غريب . هذه هي الإشكالات الثلاثة في المقام . والجواب عن الإشكال الثالث يكون بالحمل على معنى معقول في المقام : وهو أنّ هذه القاعدة مضروبة للحدّ الأقصى للتكاليف الشرعيّة لا للحدّ الأدنى ، أي : أنّ كلّ أمر يصدر منّي لا يلزم امتثاله بأكثر من المقدار المستطاع ، وأمّا أنّه ما هو حدّه الأدنى ؟ فهذا يتبع دليله ، فقد يكون بنحو صرف الوجود وقد يكون بنحو مطلق الوجود مثلا ، والمقصود من المقدار المستطاع الَّذي جعل حدّا أقصى للتكاليف الشرعيّة ليس هو الاستطاعة العقليّة ، بل الاستطاعة التي تقابل الحرج والمشقّة ، فإنّ بعض مراتب الحرج والمشقّة يوجب بالمسامحة العرفيّة صدق عنوان غير المستطاع ، فالمقصود هو أنّ الحدّ الأقصى هو المقدار المستطاع بحسب النّظر العرفي الخالي من تلك المرتبة العالية من الصعوبة والمشقّة التي قد تزيل عنوان الاستطاعة عرفا . والقرينة على حمل الاستطاعة على هذا المعنى قوله : « لو قلت نعم لوجب الحجّ في كلّ عام ، ولو وجب لما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم . . . » فإنّ الاستطاعة هنا تكون بالمعنى الَّذي قلناه ، لوضوح استحالة التكليف بغير المقدور ، وعدم الكفر بترك غير المقدور ، وبما أنّ الوضوح يكون كالقرينة المتّصلة بالكلام ، فالاستطاعة في هذه الفقرة تكون ظاهرة في إرادة المشقّة الشديدة ، فيكون هذا قرينة على أنّ الاستطاعة في القاعدة - أيضا - تكون بهذا المعنى ، فيكون هذا الكلام جوابا لعكاشة بحسب الحقيقة ، ولا يرد عليه الإشكال الثالث . وبهذا البيان يظهر اندفاع الإشكال الثاني وهو أنّه كيف يعقل إيجاب ما لا يستطاع وتكفير من ترك ما لا يستطيع ؟ فإنّك عرفت حمل الاستطاعة على ما يقابل المشقّة الشديدة . وأمّا الإشكال الأوّل : وهو أنّه كيف يمكن أن يكون السؤال منبّها للتشريع ؟