أمّا الجهة الأولى : فالتحقيق فيها : أنّ عدم إمكان خطاب الناسي بالأقلّ إنّما يكون لو لم يتصوّر الخطاب بنحو يكون موضوعه الأعمّ من الناسي والمتذكَّر ، ويكون مع ذلك مثمرا لما هو المطلوب ، في حين أنّه يمكن تصوير ذلك بنحوين :
الأوّل : أن يخاطب المكلَّف الجامع بين الناسي والمتذكَّر بالإتيان بالجامع بين الأقلّ المقرون بالنسيان والأكثر ، وهذا الخطاب - كما ترى - يصل إلى الناسي ويحرّكه ، غاية الأمر أنّ الناسي يتخيّل أنّه تحرّك نحو الفرد الثاني في حين أنّه تحرّك نحو الفرد الأوّل ، وهذا لا ضير فيه ، من قبيل أن يأمر المولى بالجامع بين الصلاة في المسجد والصلاة في البيت ، ويصلي أحد في البيت متخيّلا أنّه المسجد وأنّ صلاته في المسجد .
والثاني : أن يخاطب المكلَّف بالإتيان بالمقدار الَّذي يكون ملتفتا إليه ، وهذا الخطاب يحرّك كلّ أحد نحو المقدار الملتفت إليه ، وهذا المقدار يختلف باختلاف الأشخاص ، وكل أحد يعتقد أنّه من أتمّ الناس التفاتا ، فالناسي يتخيّل أنّه يأتي بتمام الأجزاء ، لأنّه ملتفت إلى تمامها ، في حين أنّه ليس ملتفتا إلى التمام ، ويأتي بالمقدار الملتفت إليه بتحريك نفس ذلك الخطاب .
ولا فرق في تأتّي هذين النحوين من التصوير بين ما لو فرض المكلَّف ناسيا في بعض الوقت وما لو فرض استمرار نسيانه إلى آخر الوقت ، غاية الأمر أنّه على الأوّل يكون من الواضح أنّ الناسي لو كان مكلَّفا بشيء فليس مكلَّفا بخصوص الأقلّ ضرورة جواز تأخيره للصلاة إلى حين الذّكر ، ومع فرض التأخير سيأتي بالأكثر .
والقاسم المشترك بين هذين الوجهين هو أنّ الناسي ليس محتاجا إلى خطاب على حدة حتّى يستشكل فيه بعدم إمكانيّة محركيّته للناسي ، بل يمكن تصوير خطاب واحد عام موضوعه مطلق المكلَّف بأحد النحوين .
والإنصاف : أنّ شبهة عدم إمكان توجيه الحكم إلى الناسي لم تكن تستحق الذّكر والبحث في نفسها ، وإنّما بحثناها لاهتمام الأصحاب بها من زمان الشيخ الأعظم قدّس سرّه إلى زماننا هذا .
وممّا ذكروه بصدد الجواب عن هذه الشبهة هو ما ذكره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه ( 1 )
هامش
( 1 ) راجع الكفاية : ج 2 ، ص 240 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكيني . .