تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
مقابل إيجاب الاحتياط ، فيشترط فيه تعلَّقه بما يمكن إيجاب الشرع للاحتياط اتجاهه ، فإن لم يكن قابلا لإيجاب الاحتياط اتجاهه لم تجر البراءة عنه ولو فرض قابلا للوضع الواقعي ، ومثال ذلك جزئيّة السورة للصلاة ، حيث مضى أنّها وإن كانت قابلة للوضع الواقعي بتبع وضع منشأ انتزاعها لكنّها لا تقبل إيجاب الاحتياط اتجاهه ، لأنّها ليست شيئا قابلا للتنجيز على المكلَّف ، فلا يمكن إجراء البراءة عن الجزئيّة ، وإن كان قابلا للتنجيز وإيجاب الاحتياط تجاهه جرت عنه البراءة ولو لم يكن له وضع واقعي ، فالسببيّة أو جزئيّة الزائد للسبب لا يكفي لنفي جريان البراءة عنها افتراض أنّه ليس لها وضع واقعي ، وإنّما المهم أن نرى أنّها هل تدخل في العهدة ، وتقبل التنجيز ، وإيجاب الاحتياط تجاهها أو الَّذي يدخل في العهدة إنّما هو المسبّب ؟ وتحقيق الحال في ذلك : أنّ نفس عنوان الجزئيّة أو السببيّة لا معنى لقبوله للتنجيز ، أو لإجراء البراءة عنه - كما أشرنا إلى ذلك - لكنّنا نقول : إنّه إن كان المحصّل عرفيّا فنفس كونه عرفيّا قرينة على أنّ المولى لم يتكفّل بيان السبب ، بل أوكله إلى العبد ، فإذا قال : اقتل الكافر فكأنّه صرّح بأنّي أريد منك قتل الكافر ، أمّا تحقيق أنّه هل يحصل ذلك بإطلاق رصاص واحد أو بإطلاق رصاصين ، فهو موكول إليك ، ولست أنا متكفّلا لبيانه ، وأمّا إذا كان المحصّل شرعيّا وغير مفهوم عند العرف ، فنفس عدم تعيّنه عند العرف قرينة عامّة على أنّ المولى هو الَّذي تكفّل بيان السبب ، ومقدار اهتمام المولى بغرضه يكون بمقدار بيانه للسبب ، فالعقل هنا لا يحكم بلزوم إحراز غرضه ، بل يحكم بلزوم الإتيان بما بيّنه من السبب ، فإنّ الغرض الَّذي لم يبلغ مستوى يحرّك المولى نحو تحصيله لا يحكم العقل بلزوم الإتيان به ، فالذي يدخل في العهدة هنا إنّما هو المقدار الَّذي بيّنه المولى من السبب ، وعندئذ لو شككنا في بيان المولى لدخل جزء زائد في السبب وعدمه ، فإنّه تجري عنه البراءة بلا إشكال ، لا بمعنى جريان البراءة عن نفس السببيّة ودخل هذا الجزء في السبب ، بل بمعنى جريان البراءة عن بيان المولى لذلك . والخلاصة : أنّ المجعول الإنشائيّ للمولى وإن فرض هو إيجاب الغرض كما لو قال : طهّر ثوبك للصلاة مثلا ، وسببيّة الغسلة الثانية للطهارة ليست أمرا مجعولا وموضوعا بالوضع الشرعي ، لكنّ القرينة العامّة في باب المحصّلات الشرعيّة تصرف ظهور الكلام عن كون المقصود تحصيل الغرض على الإطلاق ، بأن يكون إحراز سببه على عاتق العبد ، وعندئذ يصبح السبب هو الَّذي يتنجّز بمقدار بيانه من قبل المولى ،