تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
الالتزام بمشكلة الغرض بلحاظ البراءة العقليّة لا معنى لحلّ الإشكال عن طريق البراءة الشرعيّة ، لأنّ البراءة الشرعيّة إنّما تكون ناظرة إلى التكاليف لا إلى الأغراض . وقد أوردت على السيّد الأستاذ : أنّكم ما ذا تصنعون إذن في موارد الشبهات البدويّة ، فإنّ البراءة الشرعيّة حسب كلامكم إنّما أمّنت عن التكليف ، ويبقى احتمال الغرض الَّذي يكمن وراء التكليف ، فإن قلتم : إنّنا نتخلَّص عنه بالبراءة العقليّة ، فهذا يعني أنّ البراءة الشرعيّة يجب أن تنضمّ دائما إلى البراءة العقليّة ، وتلزم من ذلك لغويّة البراءة الشرعيّة . فأجاب السيّد الأستاذ عن ذلك بأنّنا لو اقتصرنا على المدلول المطابقي لدليل البراءة لزم عدم تأمينه عن احتمال الغرض في الشبهات البدويّة ، ولكن بما أنّ هذا يوجب لغويّة البراءة الشرعيّة نتمسّك بدلالة الاقتضاء ، وتثبت بالدلالة الالتزاميّة من باب صون كلام الحكيم عن اللغوية التأمين عن الغرض ، وبما أنّ دلالة الاقتضاء لا إطلاق لها فلا بدّ من الاقتصار في ذلك على القدر المتيقّن ، وهو الشبهات البدويّة البحتة دون موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر . وأوردت عليه - عندئذ - النقض بأنّه لئن كانت الأصول الشرعيّة في حدّ ذاتها لا تجري إلَّا بالنسبة لذات التكليف دون الأغراض ، وأنّ التعدّي إلى الأغراض إنّما يكون بدلالة الاقتضاء التي لا إطلاق لها لزم من ذلك عدم جواز التمسّك بأصالة الطهارة في مقام تصحيح الوضوء بماء مشكوك الطهارة ، لأنّ التكليف بالتطهّر بالماء الطاهر معلوم ، والشكّ إنّما يكون في الامتثال ، فهنا لا تؤمّن أصالة الطهارة عن الغرض ، لأنّ تأمينها عن الغرض إنّما هو بدلالة الاقتضاء التي لا إطلاق لها ، فيجب الاقتصار فيها على موارد الشبهات البدويّة ، والشكّ في أصل التكليف ، كما في جواز الشرب ، لأنّ ذلك هو القدر المتيقّن . وهنا توقّف السيّد الأستاذ عن الجواب . وأقول : يلزمه - أيضا - أن لا تجري أصالة الطهارة حتّى بلحاظ جواز الشرب لو علم إجمالا بنجاسة أحد الماءين ، وكان أحدهما غير مجرى لأصالة الطهارة بنكتة خاصّة . أمّا حقيقة الحال في المقام : فهي أنّ التكاليف تنجيزا وتعذيرا إنّما تلحظ بمعناها الحرفي ، وبما هي حافظة لما وراءها من غرض ، أو توقّف ، لحصول الغرض على الجزء ، وبقطع النّظر عن ذلك لا تكون سوى اعتبارات جوفاء لا معنى للتنجيز والتعذير عنها ، فالبراءة الشرعيّة الجارية عن التكليف المشكوك بنفسها تؤمّن بالدلالة