الثاني : أن يتصوّر أنّ المعارضة بين الأصول تكون بلحاظ زمان الفعليّة ، فالأصلان الأوّلان حينما أصبحا فعليّين تعارضا وتساقطا ، والأصل الثالث أصبح فعليّا في وقت لا يوجد أصل فعلي آخر يعارضه ، والمخصّص لدليل الأصل في هذا الزمان المتأخّر لم يدلّ على أزيد من أنّه لا يتمّ جريان الأصل الثالث مع الأصل في طرف الملاقى معا ، وهذا المخصّص لا أثر له في المقام بعد أن علمنا أنّ الأصل في طرف الملاقى غير جار من قبل .
وهذا ما توضّح بطلانه بذكر أمرين :
الأمر الأوّل : أنّ الخطابات الشرعية المجعولة على نهج القضايا الحقيقيّة على الموضوعات المقدّرة الوجود إنّما تتكفّل مرتبة الجعل ، وأمّا فعليّة الحكم - سواء آمنّا بها بالمعنى المشهور ، أو قصدنا بها طرفيّة الشيء للحكم - فهي تبع لفعليّة الموضوع ، وحيث إنّ تلك الخطابات إنّما تتكفّل مرحلة الجعل ، وبقطع النّظر عن فعليّة الموضوع خارجا فهي تنظر إلى تلك الموضوعات في عرض واحد ، وإن فرض تدرّجها زمانا بحسب الوجود الخارجي .
الأمر الثاني : أنّ التعارض الواقع في مفاد دليل بلحاظ فردين منه إنّما هو تعارض في نفس عالم الجعل ومنذ البدء ، وليس يحدث بعد فعليّة فردين من موضوع بعد أن لم يكن هناك تعارض ، فإنّ هذا غير معقول ، لأنّ التعارض يكون في الدلالة ، والدلالة إنّما تتكفل - كما مضى في الأمر الأوّل - مرحلة الجعل والحكم على تقدير الموضوع لا مرحلة الفعلية .
وبكلمة أخرى : أنّ المنافاة بين الحكمين إمّا أن يفرض أنّ مصبّها هو الجعلان ، إذن فالمعارضة تكون في نفس مرحلة الجعل ، وقبل وجود الموضوعين ، أو يفرض أنّ مصبّها هو الفعليّتان ، وعندئذ تسري - لا محالة - المعارضة من مرحلة الفعليّة إلى مرحلة الجعل ، إذ فرض جعل حكم على تقدير موضوع لا يصير فعليا عند فعليّة موضوعه ممّا لا محصّل له .
وبكلمة ثالثة : أنّ دليل الأصل يدلّ على تمام الأفراد في عرض واحد ، والدليل المخصّص الدالّ على عدم جريان الأصل في مجموع أطراف العلم الإجمالي - أيضا - يقتطف كلَّما يقتطف في عرض واحد .
إذا عرفت هذين الأمرين قلنا : إنّ فكرة تعارض الأصلين السابقين وتساقطهما ، وبقاء الأصل المتأخّر بلا معارض - بعد فرض الاعتراف بأنّها ليست من قبيل كلامين
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 263
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٦٣