قد تقول : لا ينبغي التفريق بين القسم الأوّل والقسم الثاني من هذه الأقسام الأربعة في الحكم ، فإمّا أن نقول بجريان الأصل في الطرف المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء في كلا القسمين ، أي : سواء كانت الشبهة مصداقية أو كانت الشبهة مفهومية ، بمعنى شكَّنا في أنّ العرف هل يرى تزاحما وارتكازا لانصراف الإطلاق بالنسبة للفرد الآخر ، أو لا ؟ ففي كلا القسمين يكون احتمال وجود المعارض للأصل الجاري في الفرد المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء ثابتا ، أمّا في الشبهة المصداقيّة ، فلأنّه على تقدير دخول الفرد الآخر - أيضا - في محلّ الابتلاء يكون الإطلاق بالنسبة له تامّا ، ويكون معارضا لإطلاق الأصل للفرد المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء ، والمفروض أنّنا نحتمل دخوله في محلّ الابتلاء ، وأمّا في الشبهة المفهومية بالمعنى الَّذي عرفت ، فلأنّه على تقدير جزم العرف بعدم الارتكاز يكون الإطلاق أيضا ثابتا في الفرد الَّذي شككنا في دخوله في محلّ الابتلاء ، فيتعارض الأصلان ، والمفروض أنّنا نحتمل جزم العرف بعدم الارتكاز .
وعندئذ ، فإن قلنا بأنّ احتمال المعارض المتّصل كاحتمال القرينة المتّصلة لا ينفي بالأصل ، فلا بدّ من القول بسقوط الأصل في كلا القسمين ، وإن قلنا بأنّ احتمال المعارض المتّصل ينفي بالأصل ، وليس كاحتمال القرينة المتّصلة ، فلا بدّ من إجراء الأصل في الفرد المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء في كلا القسمين ، فلا مبرّر للتفصيل بينهما .
ولنا عن هذا الإشكال جوابان : - الجواب الأوّل : أنّنا لا نرى أنّ احتمال وجود المعارض المتّصل كاحتمال القرينة المتّصلة يبطل التمسّك بالظهور مطلقا ، ولا نرى أنّه لا يبطل التمسّك بالظهور مطلقا ، بل نفصل بين مورد الشبهة المفهوميّة والشبهة المصداقيّة ، ففي مورد الشبهة المصداقية يتمسّك بالعموم أو الإطلاق ، ولكن في الشبهة المفهوميّة يكون حاله فيها حال احتمال القرينة المتّصلة ، ويكون مضرّا بالظهور ، فبهذا يثبت الفرق بين القسم الأوّل والقسم الثاني ، ففي القسم الأوّل لمّا كانت الشبهة مصداقية جاز لنا التمسّك بالإطلاق لإثبات الترخيص الشرعي في الإناء المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء ، وفي القسم الثاني لمّا كانت الشبهة مفهومية ، بمعنى شكَّنا نحن فيما هو المفهوم لدى العرف ، لم يمكن التمسّك بالإطلاق ، ولا نفي احتمال المعارض بالأصل .
نعم ، في القسم الثالث حينما كان الشكّ المفهومي شكَّا للعرف نفسه كان هذا ملحقا بالقطع بعدم المعارض ، فنحن نقصد هنا بالشبهة المفهوميّة - التي لا يمكن
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 229
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٢٩