تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
شرح
- أنّ الترخيص ثابت له بالفعل وقبل الإرادة ، لأنّ الترخيص كسائر الأحكام التكليفية لا يعقل تقييده بالإرادة ، فإنّ الأحكام إنّما جعلت لكي تكون موجّهة للإرادة ، ولا معنى لتخصيصها بالإرادة . والجواب : أنّه ليس المفروض تخصيص الترخيص بالإرادة ، وإنّما المفروض اختصاصه بذاك الجوّ النفسيّ الَّذي يترقّب فيه حصول الإرادة ، فيأتي حكم الشرع في فرض ذاك الجوّ ، لكي يوجّه الإرادة بالمنع أو الترخيص ، فيقول : إن دخل في محلّ ابتلائك جاز لك فعله ، أو حرم عليك فعله ، ولا عيب في تصوير الحكم بهذا الشك . وقد تقول : لئن فرضنا انصراف دليل الأصل عن الفرد الخارج عن محلّ الابتلاء لزم القول بانصراف دليل الأمارة أيضا عنه ، لأنّ حجّية الأمارة - أيضا - كحجّية الأصل قائمة على أساس التزاحم الحفظي ، فهل تلتزمون بذلك ؟ وإذا تعارضت بيّنة الطهارة في الإناء الخارج عن محلّ الابتلاء مع بيّنة الطهارة في الإناء الداخل في محلّ الابتلاء لدى العلم الإجماليّ بنجاسة أحدهما ، فهل تقولون بحجّيّة البيّنة الثانية بلا معارض ؟ والجواب : أنّه لا بأس بالالتزام بعدم حجّيّة البيّنة الأولى في مدلولها المطابقي بنفس النكتة التي قلنا بعدم حجّيّة الأصل في الخارج عن محلّ الابتلاء ، ولكن إذا دلَّت بالالتزام على نجاسة الإناء الآخر أصبحت طرفا للمعارضة مع بيّنة طهارة ذاك الإناء على أساس التكاذب ، وتساقطتا . ولا يأتي هنا إشكال تبعية الدلالة الالتزاميّة للمطابقيّة في الحجّيّة ، فإنّ هذا الإشكال إنّما يكون فيما إذا كان عدم الحجّيّة بلحاظ نقص فيه ، كالابتلاء بالمعارض مثلا ، لا بلحاظ عدم وجود أثر في المتعلَّق ، فلو دلَّت الأمارة على أنّ عدد السماوات سبع ، وكان ذلك ملازما لحكم شرعي ، فهي حجّة في إثبات الحكم الشرعي ، وإن لم تكن حجّة في إثبات عدد السماوات ، لعدم الأثر . نعم ، لو لم تتم هذه الدلالة الالتزامية لكون العلم الإجماليّ قائما على أساس حساب الاحتمالات ، مع فرض عدم إخلال مقدار الكشف الفعلي لأمارة الطهارة بذاك الحساب المولَّد للعلم الإجماليّ ، فلا بأس بالقول بحجّيّة البيّنة القائمة على طهارة الإناء الداخل في محلّ الابتلاء . هذا غاية ما أمكننا توجيه كلام أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه به في المقام ، من القول باختصاص الترخيص بفرض الدخول في محلّ الابتلاء . ولكنّ الإنصاف أنّ اختصاص الترخيص بفرض الدخول في محلّ الابتلاء مع عدم تحصّص المخالفة - بواسطة الدخول في محلّ الابتلاء ، والخروج عنه - إلى حصّتين غير معقول ، وما مضى منّا من فرض تضييق الجعل ، رغم عدم تحصّص المتعلَّق لا معنى له ، فإنّ تضييق الجعل لا يتصوّر إلَّا بأحد معنيين :