الثاني إمّا أنّه غير جار لعلمه بذلك الحكم في ذلك الزمان إثباتا أو نفيا ، أو أنّه جار بشكل غير معارض ، لعدم كونه بلحاظ احتمال الانطباق الَّذي هو عدل احتمال الانطباق الحالي ، لأنّ المفروض تبدّل العلم الإجماليّ في ذلك الظرف إلى العلم التفصيليّ ، والشكّ البدوي ، فالآن له أن يجري الأصل في هذا الطرف ، ويخالف الحكم الأوّل المحتمل ، ثمّ يأتي عليه زمان الحكم الثاني ، فيرى ما ذا حصل له من تغيّر الحال ، فإن رأى أنّه صار عالما بثبوت الحكم الثاني ، أو بانتفائه ، عمل وفق علمه ، وإن رأى أنّه صار شاكَّا في ذلك بالشكّ البدويّ نفاه بالأصل ، وإن تبيّن له أنّ ما كان يتخيّله - من أنّه سوف ينحلّ علمه الإجماليّ - كان اشتباها ، وبقي علمه الإجماليّ على حاله ، فأيضا لا بأس بأن يجري الأصل ، ويترك العمل بهذا الحكم ، لأنّ العلم الإجماليّ في الزمان الأوّل لم يؤثّر في تنجيز الطرفين ، والآن يكون علما إجماليا مرددا بين ما مضى وقته وما لم يمض وقته ، فالآن - أيضا - لا أثر له .
إن قلت : إنّه بعد أن رأى بقاء العلم الإجماليّ انكشف له أنّ الأصل في الزمان الأوّل كان جزءا من الترخيص في المخالفة القطعيّة ، فبناء على مبنى الأصحاب من قبح الترخيص في المخالفة القطعيّة قد انكشف : أنّ هذا كان جزءا من القبيح فلم يكن جاريا .
قلت : المفروض أنّه في الزمان الأوّل كان يقطع بأنّ هذا الأصل ليس جزءا من الترخيص في المخالفة القطعيّة ، فلم يكن قبيحا وترخيصا في القبيح ، فإنّ القبيح هو المخالفة القطعيّة الواصلة بالعلم أو بمطلق الوصول .
وأمّا القسم الثالث : فالعلم الإجماليّ فيه منجّز بناء على أنّ الوجه في عدم جريان الأصول في الأطراف هو حكم العقل بقبح الترخيص في المخالفة القطعيّة ، فإنّه - عندئذ - يشكّ في أنّ جريان الأصل في الطرف الفعليّ هل هو جزء من القبيح أو لا ؟ وقد تقيّد دليل الأصل بأن لا يلزم من إجرائه الترخيص في المخالفة القطعيّة في أطراف العلم الإجمالي ، فالتمسّك بدليل الأصل هنا يكون تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بناء على ما لا يبعد أن يقال - على القول بقبح الترخيص في المخالفة القطعيّة - من أنّه يكفي في قبحه كونها واصلة ولو احتمالا ، وأقول : ( لا يبعد ) لأنّي لم أدرك أصل قبح الترخيص في المخالفة القطعيّة .
ولا يتوهّم أنّ هذا البيان بعينه يجري في القسم الثاني ، إذ يحتمل أنّه سوف يشكّ بدويّا في الطرف الآخر ، وينفيه بالأصل ، فيلزم نفي كلا الطرفين بالأصل ، فإنّه
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 186
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٨٦