ليس فعليّا الآن ، فلا يقبل حكم العقل بالتنجيز ، فنقول : إنّنا لا نفهم من هذا الكلام معنى متحصّلا ، وإنّما نتفوّه به كألفاظ ، فإنّ حكم العقل بالتنجّز ليس واقعا عبارة عن الحكم والإلزام ، حتى يقال : إنّ هذا حكم وإلزام موضوعه حكم الشارع وإلزامه ، ولا يتقدّم عليه ، كما يقال في المقدّمة - بناء على وجوبها شرعا - : إنّ وجوب المقدّمة لا يتحقّق قبل ذيها ، ولا يترشّح من وجوب ذي المقدّمة قبل وجوبه ، وإنّما المقصود بحكم العقل بالتنجّز هو إدراكه لقبح هذه المخالفة ، لكونها مخالفة لما هو داخل في حقّ المولى ودائرة مولويته ، ومن المعلوم أنّ قبح القبيح ثابت أزليا ، وإنّما الشيء الَّذي يتأخّر هو نفس الإتيان بالقبيح ، فلا معنى للقول : بأنّ هذا الحكم حيث إنّه ليس بفعليّ ، فلا يقبل التنجّز الآن ، بل نقول : إنّه يقبل التنجّز الآن ، بمعنى أنّه تقبح مخالفته بحكم العقل ، ويكون قبحها ثابتا بالفعل ، وإن كانت قدرة العبد على الإتيان بهذا القبيح متأخّرة زمانا ، وغير ثابتة الآن ، وبالجملة : كما أنّ المعلوم بالعلم الإجماليّ في غير التدريجيّ يدخل في دائرة حقّ المولى ، كذلك المعلوم بالعلم الإجماليّ في التدريجيّ يدخل في تلك الدائرة ، وليس في ذلك محذور أصلا ، إذ دخوله فيها عبارة عن قبح المخالفة ، وقبح المخالفة ثابت بالفعل على كلّ حال .
هذا ، ويمكن إثبات عدم منجّزيّة العلم الإجماليّ في التدريجيّات ببيان آخر غير البيان الَّذي ذكرناه وأبطلناه ، وذلك بأن يقال : إنّ العلم الإجماليّ في التدريجيّات ليست له قابليّة التنجيز للطرف المتأخّر ، كما يظهر ذلك بمقدّمتين :
المقدّمة الأولى : أنّ العلم الإجمالي لا ينجّز حكما متأخّرا عن زمان تعلَّق العلم به بوجوده الحدوثيّ ، وإنّما ينجّزه بوجوده البقائي ولذا لو تبدّل العلم في زمان ذلك الحكم إلى الشكّ الساري ، لا يكون ذلك الحكم منجّزا .
المقدّمة الثانية : إنّ العلم الإجماليّ بوجوده البقائي فيما نحن فيه غير قابل لتنجيز الحكم المتأخّر ، لأنّه في زمان الحكم المتأخّر يكون متعلَّقا بما يتردّد بين
شرح
- الزمان المستقبل ، وكذلك الحال لو بدّلنا لغة التنجيز بلغة ارتكاز التضادّ بين الترخيص الشامل لكلّ الأطراف والغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال ، فإنّ هذا الارتكاز أيضا مشروط بمعاصرة العلم للتكليف على كلّ تقدير ، والعلم الإجمالي بتكليف حاليّ ، أو مستقبليّ معاصر للتكليف على كلّ تقدير ، لأنّه سيبقى إلى الزمان المستقبل ، أمّا العلم الإجمالي بتكليف ماض أو تكليف فعلي ، فهو غير معاصر للتكليف الماضي حسب الفرض .