تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وتقدّم البينة عليها بالتخصيص أو الحكومة أو الورود ، ولا معنى لتقدّم إنشاء على إنشاء ، فلا مانع من حجّيّة أصالة الطهارة أصلا . وأمّا نحن فلمّا اخترنا أنّ الأحكام الظاهرية ليست مجرّد إنشاءات جوفاء ، بل تشتمل على روح وحقيقة تكون عبارة عن شدّة الاهتمام بالفرض الواقعي ، وعدم الاهتمام به ، قلنا عندئذ : إنّ التنافي بينهما ثابت بوجودها الواقعي ، لتنافي الاهتمام مع عدم الاهتمام ذاتا ، وعليه ففي هذا المثال إنّما نتمسّك بأصالة الطهارة بعد رفع محذور احتمال وجود البيّنة التي تقدّم بحجّيّتها عليها ، سواء كان بالورود أو بالحكومة أو بالتخصيص ، باستصحاب عدم قيام البيّنة ، ولكن فيما نحن فيه ، لا يفترق الحال بكون التنافي بين الأحكام الظاهرية بوجودها الواقعي أو بوجودها الواصل ، إذ المفروض أنّ البيّنة واصلة إلينا ولو بالعلم الإجماليّ ، وهذا المقدار من الوصول كاف في المقام ، لأنّ المفروض أنّ البيّنة تنجّز ، ولو علمت بنحو العلم الإجماليّ ، فيقع التنافي بين التنجيز والتعذير . وهذا الفارق الجوهريّ الَّذي بيّناه بين علاقات الأصول بعضها مع بعض في هذا العلم الإجماليّ ، وعلاقاتها في العلم الإجماليّ الوجدانيّ بالحكم الواقعي حتى الآن لم يؤدّ إلى ثمرة عمليّة ، لكن ينتهي إلى ثمرة عمليّة بلحاظ بعض ما يترتّب عليه من الفوارق كما سوف يظهر - إن شاء اللَّه - . الفارق الثاني : ما يترتّب على الفارق الأوّل ، وهو أنّه إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي موردا للأصل المثبت ، والطرف الآخر موردا للأصل النافي ، كما لو قامت البيّنة على نجاسة أحد الإناءين معيّنا ، واشتبه بإناء آخر ، وكان أحدهما موردا لاستصحاب النجاسة ، والآخر موردا لاستصحاب الطهارة ، فهنا كما نقول في فرض العلم الوجدانيّ بنجاسة أحد الإناءين بالرجوع إلى استصحاب الطهارة في الإناء المسبوق بالطهارة ، كذلك نقول بذلك هنا ، لكن يختلف الأمر في فلسفة الموقف الفنّيّ ، فهناك كنّا نقول : إنّ استصحاب الطهارة في هذا الطرف غير مبتلى بالمعارض فيجري ، وهنا نقول : إنّ استصحاب الطهارة في الإناء المسبوق بالطهارة يحتمل عدم حجّيّته . لقيام البيّنة على خلافه ، فنرجع إلى استصحاب عدم قيام البيّنة على النجاسة في ذلك المورد ، ولا يعارض باستصحاب عدم قيام البيّنة على النجاسة في الطرف الآخر ، فإنّ الطرف الآخر في نفسه مستصحب النجاسة ، فإن بنينا على أنّ البيّنة لا تقدّم على الأصل المطابق لها ، بل يجريان معا ، فالاجتناب عن الإناء الآخر منجّز
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 169 | السيد كاظم الحسيني الحائري