التقريب الثاني : أنّ الترجيح بالأهمّيّة إنّما هو في فرض مزاحمة أغراض المولى في مقام الجعل من ناحية عدم مقدرة المكلَّف على الامتثال ، فعندئذ يرفع المولى يده عن إطلاق الحكم بالمهمّ . وأمّا هنا فلا مزاحمة بين الغرضين لقدرة العبد على امتثال كليهما ، فالحكمان ثابتان على حالهما من الإطلاق
شرح
- الامتثال المعلوم تفصيلا ينبّه الوجدان إلى أنّ المقياس في الترجيح عند وجود الأهمّ والمهمّ ، ليست هي قطعيّة الموافقة وقطعيّة المخالفة ، والعليّة بالنسبة لحرمة الثانية والاقتضاء بالنسبة لوجوب الأولى ، وإنّما المقياس هي الأهميّة أو احتمالها .
أمّا لو غضضنا النّظر حقّا عن الإشكال الأوّل ، وافترضنا أنّ اقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة معلَّق على عدم انصدامه بالمخالفة القطعيّة ، لأجل علَّيّة العلم بلحاظ حرمة المخالفة القطعيّة دون وجوب الموافقة القطعيّة ، فمن الطبيعيّ أنّ ما يكون فعليّا في المقام إنّما هو حرمة المخالفة القطعيّة لكلا العلمين رغم أهمّيّة أحد الحكمين .
وأمّا النقض بالعلم التفصيليّ بالمهمّ الَّذي يضحّى به في سبيل الأهمّ ، فغير وارد ، لا بلحاظ الأمر ولا بلحاظ الغرض . أمّا بلحاظ الأمر فلأنّ التزاحم هناك يكون بين ذات الامتثالين فيسقط إطلاق المهمّ دون إطلاق الأهمّ . أمّا هنا فالتزاحم يكون بلحاظ وجوب الموافقة القطعيّة المفروض كونه تعليقيّا وساقطا لدى مزاحمته لأمر تنجيزيّ ، وهو حرمة المخالفة القطعيّة . وأمّا بلحاظ الغرض فلأنّ التزاحم بين الأهمّ والمهمّ في مورد العلم التفصيليّ إنّما يوجب سقوط حقّ المولويّة بلحاظ المهم ، لتزاحمه بحقّ أشدّ في طرف الأهمّ ، لا لفقدان مقتضي الحقّ في ذاته ، من قبيل ما لو لم يكن الآمر مولى ، وفي المقام أيضا مقتضى الحقّ في ذاته في طرف المهمّ موجود ولا مزاحم له ، لأنّ الشيء المترقّب مزاحمته له عبارة عن اقتضاء العلم الإجماليّ بالأهمّ لوجوب الموافقة القطعيّة ، والمفروض أنّه تعليقيّ ، وأنّه ينتفي بفرض وجود مزاحم له ، وهو مقتضي حرمة المخالفة القطعيّة في الطرف الآخر .