أقول : إنّ هذا الوجه بهذا المقدار من التقريب قابل للجواب عنه ، وذلك بأن يقال : إنّه وإن لم يمكن وضع أحدهما التخييريّ - أي وضع الجامع بينهما - ولا وضعهما معا ، ولكنّ كلّ واحد منهما على التعيين قابل لأن يوضع بدون الآخر - أي أنّ للمولى على سبيل البدل أن يضع أحدهما تعيينا - فله رفعهما .
ولكن يمكن تصحيح هذا الوجه بإضافة شيء إليه ، وذلك بان يقال : إنّ قوله : ( رفع ما لا يعلمون ) تارة يفترض أنّه رفع لكلّ تكليف مشكوك ، سواء فرض وجوده في الواقع أو لا في قبال وضعه بجعل الاحتياط ، وعليه نحتاج في المقام إلى رفعين ، رفع للوجوب ، ورفع للحرمة ، وأخرى يفترض أنّه رفع لكلّ تكليف مشكوك للعبد من التكاليف الثابتة في لوح التشريع ، وعليه فلا نحتاج في المقام إلَّا إلى رفع واحد ، إذ لا يوجد في لوح التشريع إلَّا حكم واحد فقط ولا يوجد الوجوب والحرمة معا . فإن فرض الأوّل تأتّى ما ذكرناه من أنّ الوضع ممكن ، فيصحّ الرفع أيضا ، إذ من الممكن للمولى أن يضع أحد الجانبين معيّنا على العبد ، فبالإمكان رفعهما ، لكنّ هذا الاحتمال الأوّل في نفسه خلاف الظاهر ، إذ الظاهر من العلم في قوله : ( رفع ما لا يعلمون ) ليس هو مطلق القطع ، وإنّما الظاهر منه أنّه لو حظت فيه جهة الانكشاف الصحيح المطابق للواقع ، فيتعيّن أن يكون المقصود من الموصول هو الحكم الثابت في الواقع ، حتى تصحّ نسبة العلم إليه ونفيه عنه ، وعلى هذا الفرض نقول : إنّ الوضع هنا بطريقة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 602
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٠٢