شاملا لما نحن فيه إلَّا أنّ الثاني غير شامل له لمحذور ثبوتيّ وهو عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهريّ ، الَّذي هو الشكّ ، إذ الحلَّيّة التي هي عنوان يستخلص من الترخيص في جانب الترك والترخيص في جانب الفعل ممّا نقطع بخلافها ، للعلم بأنّ هذا الأمر إمّا واجب أو حرام . وعلى أيّ حال لا يكون حلالا ، ومع العلم بعدم الحلَّيّة كيف يعقل جعل الحلَّيّة ظاهرا ؟ وهذا بخلاف حديث ( الرفع ) فإنّه ينفي كلَّا من الوجوب والحرمة مستقلا ، ونفي كلّ واحد منهم محتمل الصدق ، غاية الأمر أنّنا نعلم إجمالا بكذب أحدهما ، وهذا العلم الإجماليّ لا يوجب تعارض البراءتين وعدم جريانهما ، إذ المفروض أنّه غير منجّز .
أقول : إنّ هذا الكلام مبنيّ على أنّ موضوع الحكم الظاهري عبارة عن الشكّ في حكم الواقعيّ مماثل للحكم الظاهريّ ، وهذا غير صحيح ، كما يظهر بالتأمّل في ما نقّحناه في حقيقة الحكم الظاهريّ . وبيان ذلك : أنّنا يجب أن نرجع إلى نكتة موضوعيّة الشكّ للحكم الظاهريّ ، ويظهر من الالتفات إلى حقيقة الحكم الظاهريّ بالنحو الَّذي بيّنّاه ، أنّ نكتة ذلك هي أنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن إعمال الترجيح عند مزاحمة الغرضين في عالم المحرّكيّة ، ومع عدم الشكّ لا تعقل مزاحمتهما في عالم المحرّكيّة ، وبهذا تعرف أنّ موضوع الحكم الظاهريّ ليس هو الشكّ في حكم واقعيّ مماثل له ، وإنّما موضوعه الشكّ بنحو يوجب تزاحم الغرضين في المحرّكيّة ، ومن المعلوم أنّ هذا ثابت فيما نحن فيه ، فليس في المقام إشكال ثبوتيّ .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 600
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٠٠