جعل الاستحباب النفسيّ بعنوان البلوغ لم يجز له ذلك ، لأنّ موضوع هذا الاستحباب هو البلوغ ، وهذا الموضوع إنّما تحقّق بشأن هذا الشخص دون ذاك .
أقول : أمّا الشقّ الأوّل من كلامه وهو أنّه على تقدير الحجّيّة يجوز الإفتاء بالاستحباب للجميع ، فيرد عليه : أنّه على تقدير اختصاص الحجّيّة بمن بلغه هذا الخبر - حسب ما اعترف رحمه اللَّه به - يكون جواز الإفتاء بالاستحباب للجميع مع عدم علمه وجدانا بالاستحباب للجميع مبنيّا على القول بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعيّ ، ونحن وإن كنّا نقول في ما يكون دليل حجّيّته سيرة العقلاء ، أو مثل قوله : ( يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني ) بقيامه مقام القطع الموضوعيّ في خصوص حكم الإفتاء والإسناد إلى الشارع ، لكن لا نقول بذلك فيما نحن فيه ، إذ مجرّد دليل الحجّيّة لا يدلّ عندنا على القيام مقام العلم الموضوعيّ ، وإنّما يجب أن يستفاد ذلك بمئونة زائدة ، كشمول السيرة لذلك ، أو دلالة الأخذ على ذلك ، وهذا منتف فيما نحن فيه .
وبعد تسليم قيام الأمارة بدليل حجّيّتها مقام القطع الموضوعيّ نقول : إنّه يمكن الإيراد عليه ( قدّس سرّه ) بأنّه وإن كان مفاد الخبر البالغ هو الاستحباب للجميع ، لكنّه بحسب مقام الثبوت كما يعقل جعل الحجّيّة لتمام مفاد هذا الخبر كذلك يعقل جعل الحجّيّة لقطعة من مفاده ، وهي الاستحباب لهذا الشخص الَّذي بلغه هذا الخبر ، وإذا كان كلا الأمرين معقولا بحسب عالم الثبوت قلنا : إنّ المتيقّن بحسب عالم الإثبات هو
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 548
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٤٨