من بلغ بروايات الاستحباب يكون الثابت هنا استحباب العمل بعنوان البلوغ ، وليس هناك أيّ معارض أو مزاحم لذلك ، لأنّ المفروض أنّ أخبار من بلغ لم تشمل تلك الرواية الضعيفة الدالَّة على الكراهة . وأمّا بناء على القول بعدم اختصاص أخبار من بلغ بروايات طلب الفعل فعندئذ قد يقال : لا مانع من شمولها لكلتا الروايتين ، فيثبت استحباب كلّ من الفعل والترك ، إلَّا أنّهما يتزاحمان ولا ضير في ذلك ، إذ ما أكثر المستحبّات المتزاحمة . لكنّ الصحيح هو التفصيل بين ما لو كان الخبران الضعيفان دالَّين على الحكم التوصّليّ وما لو كان أحدهما - على الأقلّ - دالَّا على الاستحباب التعبدي ، ففي الأوّل يقع التعارض لا محالة بين دلالتي أخبار من بلغ ، إذ لا يعقل جعل الاستحباب للفعل وللترك معا ، لأنّه تلزم من ذلك اللغويّة ، إذ يستحيل أن يتفاوت حال العبد بعد الأمر عنه قبل الأمر ، فإنّه - على أيّ حال - لا يقدر على الجمع بين الفعل والترك ، وصدور أحدهما منه ضروريّ ، فيقع التنافي بين الجعلين ، وذلك يوجب التعارض في عالم الإثبات والدلالة . نعم ، إذا كان أحدهما - على الأقلّ - تعبّديّا لم يكن بينهما تعارض ، إذ الفعل القربيّ مثلا مع الترك ضدّان لهما ثالث ، فيختلف حال العبد بعد الأمر عنه قبله ، إذ يمكنه ترك كليهما واختيار الثالث ، فالأمر يحرّكه نحو الجامع بينهما . هذا ما أفاده السيّد الأستاذ في المقام ( 1 ) . ويرد عليه أوّلا : منع شمول أخبار من بلغ للرواية الدالَّة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 538
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٣٨
هامش
( 1 ) راجع الدراسات ج 3 ، ص 194 - 195 . .