يقال : إنّ القدرة على الاحتياط متوقّفة على فعليّة الأمر ، لأنّ المفروض أنّه يشترط فيه قصد الأمر ، وفعليّة الأمر متوقّفة على القدرة على الاحتياط توقّف المشروط على شرطه وفعليّة الحكم على موضوعه ، فيلزم الدور ، وهذا بنفسه أحد ألوان الإشكال في مبحث أخذ قصد الأمر في متعلَّقه .
والجواب : أنّ اشتراط الأمر بالقدرة على المتعلَّق إنّما هو بحكم العقل ، وحكم العقل في المقام يكون بملاك أنّه مع عدم القدرة يستحيل التحريك ، فيكون الأمر لغوا حينئذ ، وبحسب الحقيقة يكون الأمر مشروطا بقابليّته للتحريك ، وقابليّته للتحريك إنّما هي موقوفة على القدرة من غير ناحية الأمر - أي أنّ المانع من الأمر ليس هو طبيعيّ العجز ، بل تلك الحصّة من العجز التي لا ترتفع بالأمر - ولذا لو كان نفس توجّه الأمر بالمشي إلى المشلول مؤثّرا تكوينا في برء شلله لم يكن مجال لتوهّم بطلان هذا الأمر أصلا .
وإن فرض الأمر بالاحتياط طريقيّا ، فصحّة الاحتياط هنا وعدمها تتوقّف على فهم ما هو المراد من لزوم قصد الأمر الجزميّ . فإن كان المقصود الأمر الحقيقي الجزمي فهنا ليس لنا أمر جزميّ ، إذ أمر ذات العبادة مشكوك ، والأمر بالاحتياط طريقيّ روحه وجوهره هو الأمر بذات العبادة المفروض كونه مشكوكا . وإن كان المقصود مطلق الأمر الجزميّ - ولو كان طريقيّا - لا يوجد له مبادئ في متعلَّقه ، فهذا الأمر ثابت هنا فيصحّ الاحتياط بلحاظه ، هذا ما يقتضيه تحقيق الكلام في المقام الثاني .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 497
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٩٧