شرح
- لا يعلم الغيب ، أو رأى من المصلحة أن يتصرف تصرف من لا يعلم الغيب ، وذلك لأنّ الترجيح الكمّيّ بمعنى ملاحظة أكثريّة الصدق من الكذب ، والنّظر المجموعيّ إلى الأخبار لا الاستغراقي الأفرادي معقول حتى بالنظر إلى عالم الغيب . ومن حسن الحظَّ أنّ هذا الجزء من الكلام - أي شرط افتراض المولى غير عالم بالغيب واقعا ، أو تنزيلا غير موجود في كلامه رحمه اللَّه في بحث الاستصحاب - .
وممّا يشهد لحمل كلامه رحمه اللَّه ولو ارتكازا على المعنى الصحيح ، وهو إلحاق الترجيح بأكثريّة الصدق بالترجيح بقوّة الاحتمال ما جاء منه في بحث الأصل المثبت في باب الاستصحاب من الاستدلال على عدم كون نظر المشرّع في حجّيّة خبر الثقة إلى الترجيح بقوّة المحتمل ، بأنّه لم يؤخذ في دليل حجّيّة الخبر سنخ معيّن من المحتمل من حلّ أو حرمة ، أو أي شيء آخر . وهذا - كما ترى - لا ينسجم إلَّا مع إلحاق المرجّح الكمّيّ للصدق بقوّة الاحتمال دون قوّة المحتمل ، وإلَّا فعدم أخذ سنخ معيّن من المحتمل في دليل حجّيّة الخبر لا يدلّ على أنّ الملحوظ فيها قوّة الاحتمال دون قوّة المحتمل ، إذ من المعقول افتراض أنّه إنّما جعل خبر الثقة حجّة بقطع النّظر عن كون المفاد هو الحلّ ، أو الحرمة ، أو أيّ شيء آخر ، لما في خبر الثقة من غلبة كمّيّة الأفراد الصادقة منها وأكثريّتها من الأفراد الكاذبة .
ولا يخفى أنّنا لو جعلنا المقياس في أماريّة الأمارة وحجّيّة مثبتاتها كون ملاك الحجّيّة أقوائيّة الاحتمال بالمعنى المقابل للترجيح الكمّيّ بغلبة الصدق ، ورد النقض على ذلك بأنّه لو ثبتت حجّيّة لوازم خبر الثقة ببيان أنّ تمام الملاك في حجّيّته كان هو الكشف ، وهو ثابت في اللوازم بنفس درجة ثبوته في الدلالة المطابقيّة ، للزمت من ذلك حجّيّة كلّ ظنّ يساوي الظنّ الناشئ من خبر الثقة ، أو كلّ أمارة تساوي خبر الثقة في الكشف ، لأنّ الملاك للحجّيّة كان هو الكشف الموجود هنا أيضا . أمّا إذا أدخلنا في الحساب المرجّح الكمّيّ في الصدق فقد انتفى هذا النقض ، إذ يجاب عليه