ولكن التحقيق : أنّ هذا التوجيه أيضا غير مستساغ عرفا وإن كان فنيّا ودقيقا بحسب الصناعة العلمية ، وذلك لقوّة ظهور الرواية في أنّ الإمام عليه السلام في مقام إعطاء معنى كلَّيّ وضابطة كلَّية لأجل أن يطبّقها المكلَّف على مواردها الخارجيّة ، وقد ذكرت الأمثلة لأجل تشريح ذهن هذا السامع في مقام تطبيق هذه الضابطة الكلَّيّة ، ومن المعلوم أنّنا لو فرضنا أنّنا حملناه على أنّه في مقام الإخبار عن نتيجة جعول متعدّدة على موضوعات متعدّدة ذات قيود مع إسقاط تلك القيود وعدم بيان تلك الموضوعات ، لما أمكن للسامع تطبيق الأمر على الصغريات إلَّا إذا فرض ذكر ملازم مساو وانتزاع عنوان مطابق ، كما في ما ذكرناه من مثال أصالة الصحة وقاعدة الفراغ ، دون عنوان أعمّ كما في هذا الحديث .
الوجه الثالث : هو الَّذي يقوى في نفسي من احتمال أنّ هذه الرواية ليست في مقام بيان قانون ابتدائيّ ، بل في مقام التصريح بإطلاق قوانين الحلَّيّة من قبيل الاستصحاب واليد بالنسبة لمرحلة البقاء ، بمعنى أنّه إذا ثبتت لك حلَّيّة شيء بأمثال هذه القوانين فلا ترفع اليد عن الحلَّيّة بوسوسة ، وطروّ منشأ جديد للشكّ ، وحصول الظنّ بالخلاف ونحو ذلك ، بل ابق على تلك القواعد المفروغ عنها حتى يستبين لك غير هذا ، أو تقوم به البيّنة ، وهذا المطلب تطبيقه على الرواية لا يقتضي في المقام عدا الالتزام بتقييد واحد مستساغ عرفا ، ولا ينافيه إلَّا الإطلاق ، ولا يخرج الحديث عن كونه بيانا عرفيّا ، وذلك بأن
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 285
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٨٥