أقول : إنّ هذا التقريب إنّما يتمّ بالنسبة للموالي العرفيّين الذين يلاحظون في أوامرهم على عبيدهم مصالح أنفسهم لا مصالح العبيد ، فيصحّ للمولى أن يمتنّ على عبده برفع اليد عن تلك المصلحة وينتفي هذا الامتنان في فرض عدم الملاك وانتفاء المصلحة في ذاتها . وأمّا بالنسبة للمولى الحقيقيّ ( تعالى شأنه ) فلا يتصوّر أن يمنّ على العباد برفع حكم عنه بعنوان أنّه رفع اليد عن تحقيق مقتضي الحكم وتحصيل مصلحته ، فإنّ مصلحته راجعة إلى العباد أنفسهم لا إلى المولى .
وإنّما الامتنان المعقول في حقه في هذا الرفع هو أن يمنّ عليهم برفع الحكم عنهم بعنوان أنّ هذا الرفع كان في صالحهم فحقّق لهم مصلحتهم بهذا الرفع سواء فرض أنّه كانت في الحكم مصلحة وكان الرفع مفوّتا لها لكنّه كانت مصلحة الرفع أقوى من المصلحة الفائتة ، أو أنّه لم تكن في الحكم مصلحة أصلا ، وكانت المصلحة في الرفع فحسب ، ولا معنى لصحّة الامتنان في خصوص فرض مفوّتيّة الرفع لمصلحة أدنى دون فرض عدم مفوّتيّة لها .
التقريب الثاني : أنّ الشارع قد بيّن النفي في هذا الحديث بلسان الرفع ، وهذا اللَّفظ إنّما يستعمل حقيقة في النفي بعد الوجود ، فإنّ الرفع نفي وإعدام للموجود ، لا نفي للوجود من أوّل الأمر . ومن المعلوم أنّ الحكم في الحصّة التي تكون موردا لهذه العناوين ، كالاضطرار والإكراه منفيّ من أوّل الأمر ، لا أنّه يحرم أوّلا إتيان ما اضطرّوا إليه ، أو ، أكرهوا عليه ثمّ ترفع الحرمة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 193
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٣