الشبهات بأن نعلم إجمالا باهتمام المولى ببعضها على تقدير وجود الحكم فيها ممّا لا يقلّ عن المعلوم بالإجمال ، فالبراءة تجري عندئذ في غير دائرة الشبهات التي يعلم بالاهتمام بالحكم فيها ، أو في ضمنها على تقدير الوجود بلا معارض لما عرفت في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من أنّ روح البراءة عبارة عن عدم اهتمام المولى بتكليفه في ظرف الشك ورضاه بالمخالفة ، وروح الاحتياط عبارة عن اهتمامه به في ظرف الشكّ ، فالعلم بالاهتمام على تقدير الوجود يساوق العلم بعدم جريان البراءة في الشبهات التي علمنا بالاهتمام فيها ويساوق تعارض البراءات وتساقطها فيما لو ترددت تلك الشبهات في دائرة أوسع ، من الشبهات ، فتبقى البراءة في غير تلك الشبهات أو غير تلك الدائرة الأوسع بلا معارض .
الوجه الثاني - أن ينحلّ العلم الإجمالي بدوران الأمر في الاهتمام بين التعيين والتخيير ، بيان ذلك : أنّه لا إشكال في اهتمام المولى بالتكليف المعلوم بالإجمال في المقام بمقدار عدم المخالفة القطعية ، ولكن الأمر دائر بين الاهتمام بنحو التخيير بأن يرضى المولى بتحفّظ العبد على التكليف المحتمل في أحد طرفي العلم الإجمالي والاهتمام التعييني ، فإذا فرضنا أننا احتملنا الاهتمام التعييني في أحد الجانبين بالخصوص ولم نحتمل اختصاص الاهتمام بالجانب الآخر لعلمنا بأنّ الثاني ليس بأهم من الأول ، لأنّ الأول من الدماء ، والثاني من الأموال مثلا ، فالبراءة في الجانب الأول لا تجري للقطع بالاهتمام به تعيينا أو تخييرا بناء على أنّ البراءة إنّما تنفي الاهتمام دائما بنحو التعيين ، وتجري في الجانب الآخر لعدم القطع بالاهتمام به لا تعيينا ولا تخييرا ، إذ نحتمل أن يكون التعيين في الأول فقط وتكون البراءة في الجانب الآخر سليمة عن المعارض .
فهاتان كبريان لانحلال العلم الإجمالي في المقام وتحقيق انطباقها على الفقه موكول إلى التتبّع والتأمل في بحث الفقه والَّذي يقرّب من النّفس
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 689
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦٨٩