نرى أنّ الوثاقة هل كانت مؤثّرة في استبعاد بعض دواعي الكذب ، أو لا ؟ فإن كانت مؤثّرة في ذلك ولو ضمنا صحّ إسناد الظنّ إلى الوثاقة حتى مع فرض علَّة أخرى للاستبعاد كافية لو بقيت وحدها للقطع بعدم ذاك الداعي ، وحتى لو فرض أنّ بعض الدواعي الأخرى المنصبّ عليها الاحتمال ابتداء لم يستند استبعادها إلى الوثاقة ، وإنّما استبعدت بعامل آخر تماما .
وإن لم تكن كذلك لم يسند الظنّ إلى الوثاقة .
ومثال القسم الأول هو ما لو علمنا بوثاقة شخص لكن علمنا أنّه ابتلي صدفة في زمان إخباره بحالة نفسية من انبساط ، وميل إلى الكذب مثلا لم تجعل وثاقته مغلوبة لأيّ داع من دواعي الكذب ، وهذا لا ينافي أصل ملكة الوثاقة كما أنّ غلبة بعض الدواعي المهمّة للكذب على الوثاقة لا ينافي أصل ملكة الوثاقة ، ولا توجب أيضا تلك الحالة النادرة وكذا ذاك الداعي المهم النادر حصوله قصور الوثاقة ذاتا عن الرادعيّة عن مثل هذا الكذب ، ولذا ترى أنّه يشعر في حين ارتكابه لهذا الكذب بالاشمئزاز الروحي ، والتأثّر على ما يصدر منه من الكذب ، وهذا هو نتيجة عدم قصور وثاقته ذاتا عن الردع عن هذا الكذب ، وإنّما لم تؤثر فعلا في الردع لابتلائها بالمزاحم من تلك الحالة ، أو الداعي المهمّ .
فإذا علمنا أنّ هذا الراوي الثقة ابتلي في حين روايته بتلك الحالة النفسيّة التي تجعل وثاقته مغلوبة لأيّ داع من دواعي الكذب لكنّنا ظنّنا مع ذلك بصدق خبره من باب الظنّ بعدم تحقّق داعي الكذب في هذا الخبر في نفسه بقطع النّظر عن الوثاقة ، ففي مثل هذا المورد لا يكون الظنّ مستندا إلى الوثاقة ، ولا يكون خبره حجّة .
وأمّا مثال القسم الثاني الَّذي يكون الظنّ فيه مستندا إلى الوثاقة ، فنذكر لذلك أمثلة ثلاثة :
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 575
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٧٥