ومنها - أنّ هناك طريقا للاستدلال على ثبوت السيرة في زمان الإمام بالسيرة المتأخرة وهي أنّه لو فرض انقلاب السيرة بأن كان عمل الشيعة مثلا في ظهر الجمعة على الجهر ، وفي زماننا قامت السيرة على الإخفات لكان هذا الانقلاب من العجائب ، ولكان ينقل ذلك في الكتب . وهذا البيان في مثل قراءة ظهر الجمعة غير صحيح ، إذ لو فرض الانقلاب فهو ليس انقلابا بين عشيّة وضحاها ، بل حصل هذا الانقلاب بالتدريج في خلال أمد بعيد فوجد أولا مخالف واحد ، وبعد مدّة لاحظ شخص آخر الأخبار فرأى أنّ الصحيح هو ما ذهب إليه هذا المخالف ، وهكذا إلى أن حصل الانقلاب بالتدريج ، على أنّه ليس من اللازم كون الانقلاب من وجوب الجهر إلى حرمته ابتداء حتّى يبدو الاختلاف بنحو فاحش ، بل المخالف الأول لعلَّه أظهر الاستحباب إلى أن جاء شخص آخر فناقش في دليل الاستحباب وقرّب التخيير إلى أن جاء من قرب الكراهة ، ثمّ بعد ذلك قيل بالحرمة مثلا .
ولكن هذا البيان تامّ في ما نحن فيه من دون أن يرد عليه هذا الإشكال ، فإنّ الأمر دائر بين الوجوب والحرمة فإنّ الخبر مع الواسطة لو كان حجّة فالعمل به واجب ، وإلَّا فالعمل به غير جائز ، والفترة الَّتي يفرض حصول الانقلاب فيها يسيرة فإنّ المفروض أنّ في زمان الأئمّة أي إلى أواخر المائة الثانية وأوائل المائة الثالثة كانوا يتركون العمل بالخبر مع الواسطة ، بينما الكليني الَّذي هو قريب من زمان الأئمة وولد في زمان الإمام ، وعاصر النّواب ، ومات بعد الغيبة الصغرى بقليل يذكر في أول كتابه : أنّي أجمع هذه الروايات لكي تكون مدارا لاستنباط الأحكام الشرعيّة . وجاء بعده الصدوق فذكر في مقدّمة كتابه مثل ذلك ، فكيف يفترض انقلاب السيرة في فترة قصيرة كهذا ، وبحيث يذكر الشيخ الطوسي الَّذي جاء بعد هذه الفترة في كتاب العدّة ناظرا إلى هذه الفترة وفترة زمان الحضور ضمن الزمان الطويل الَّذي ينظر إليه : إنّ الأصحاب إلى يومنا هذا عصرا بعد عصر مطبقون على العمل بهذه الأخبار .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 552
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٥٢