المقارنة بين بياننا للسيرة وبيان الأصحاب :
وهذا البيان الَّذي ذكرناه نحن هنا للتمسّك بالسيرة يختلف جوهريا عن البيان المألوف بين الأصحاب ، وهو التمسّك ابتداء بالسيرة العقلائية غير المردوعة شرعا ولنذكر هنا ثمرتين تترتّبان على الفرق بين التقريبين :
الأولى - أنّه قد يقال في مقام تدقيق النّظر في قيام السيرة العقلائية على حجّية خبر الثقة بأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة لم يثبت كونه بعنوان الحجّية ، بل لعلَّه تارة يكون بملاك حصول الاطمئنان ، وأخرى بملاك الاحتياط ، وثالثة من باب عدم الاهتمام بالغرض أزيد من كاشفيّة خبر الثقة ، ونحو ذلك ممّا قد يتصوّر في المقام . والثمرة التي تترتّب في المقام على التقريب الَّذي بيّناه أنّ هذا الإشكال لو تمّ على تقريب القوم لا يتمّ على تقريبنا ، إذ نحن لم ندّع ابتداء السيرة العقلائية ، بل انطلقنا من نقطة العلم بالجامع بين الأمور الثلاثة ، وهذا يعني أنّنا نكتفي بفرض مجرّد الحيرة والتبلبل بالنسبة للعمل بخبر الثقة في الأحكام وحجّيته ، ولا إشكال في أنّ طبيعة العقلاء - على الأقل - تكون بنحو يوجب مثل هذه الحيرة والتبلبل لدى أصحاب الأئمّة عليهم السّلام ممّا يكفي لكثرة السؤال والجواب .
والثانية - أنّ توهّم ردع السيرة بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ الَّذي قد يورد على ما ذكره الأصحاب من التمسّك ابتداء بالسيرة العقلائية لا مجال لإيراده على التقريب الَّذي ذكرناه فبغض النّظر عمّا مضى من عدم دلالتها على نفي حجّية الظن ولو كان ظنّا قياسيا نقول : إنّها لا تصلح للردع عن مثل هذه السيرة ، إذ لو صلحت لذلك لحصل الارتداع بحسب الخارج ولما كانت سيرة أصحاب الأئمّة على العمل بخبر الثقة مع أنّنا قد أثبتنا انّه كانت سيرتهم على العمل به ، وليس من المحتمل قيام سيرتهم على ذلك عصيانا وكيف يصلح مثل إطلاق آية أو آيتين مشكوكة الدلالة في نفسها للردع عن