التقريب الأول - أنّ الشيخ الكليني - رحمه الله - مثلا الَّذي ينقل خبرا ببعض الوسائط الثقات عن الإمام المعصوم عليه السلام ، فهو وإن كان بالمطابقة ينقل خبرا بالوسائط عن الإمام لكنه ينقل لنا بالملازمة قضيّة مانعة الخلوّ ، وهي أنّه إمّا أنّ أحد الوسائط الثقات قد كذب ( والمقصود بالكذب مخالفة الواقع ) ، أو أنّ الإمام عليه السلام قد قال كذا ، وأنّ الحكم الشرعي هو كذا ، وإخباره عن هذه القضيّة التي هي على نحو مانعة الخلو إخبار عن حسّ وبلا واسطة لأنّه قد سمع الراوي المباشر له حسّا عند نقله لهذا الخبر ، فلو لم يكن كاذبا ، ولم يكن أحد الوسائط الآخرين كاذبا فالحكم ثابت من الإمام حتما ، ولو لم يكن الحكم صادرا من الإمام فقد كذب الراوي المباشر ، أو أحد الوسائط الآخرين ، إذ لا شكّ لدى الكليني - رحمه الله - في صدور هذا الخبر عن الراوي المباشر له . وكلّ قضية مانعة الخلو تنحل إلى قضيتين شرطيتين مقدّمهما نفي أحد الطرفين وتاليهما إيجاب الطرف الآخر . إذن فالكليني - رحمه الله - يخبر عن حسّ بقضيّة شرطية وهي أنّه لو لم يكذب أحد الوسائط فقد صدر هذا الحكم من الإمام - عليه السلام - ، فيشمله دليل حجّيّة خبر الثقة ، إذ لا فرق في حجّية خبر الثقة بين الإخبار عن كلام الإمام مطلقا ، والإخبار عنه على تقدير ، كما في المقام حيث أخبرنا الكليني عن كلام الإمام على تقدير عدم كذب أحد الوسائط الثقات ، وهذا التقدير ثابت لنا بنحو ملفق من الوجدان والتعبّد ، لأنّ هذا الحديث إمّا أنّه لم يصدر من أحد من الوسائط فهم غير كاذبين وجدانا ، أو صدر من بعضهم ، أو جميعهم فهم غير كاذبين تعبّدا ، فإذا ثبت الشرط بنحو ملفّق بين الوجدان والتعبّد ، أو قل ثبت الشرط بالتعبّد ، لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات ، فقد ثبت الجزاء وهو صدور هذا الحكم من الإمام .
وإن شئت فقل : إنّ الثقات قبل الكليني لو سألنا أيّ واحد منهم هل كذبت في القضية الفلانية لقال : لا . فيثبت عدم كذبه باخباره عن ذلك
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 439
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٣٩