أعني تأخّر الموضوع عن الحكم ، وذلك لأنّ الجزء الأوّل من جزئي الموضوع وهو الخبر غير ثابت لنا بالحسّ في غير الخبر المباشر لنا ، وإنّما يثبت ذلك بحجّية ما قبله من الخبر وهي الحكم المستفاد من هذه الآية . إذن فالحكم يثبت قبل ثبوت الموضوع .
وهذان التقريبان يختلفان ملاكا وموضوعا : أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ ملاك الأوّل هو تقارن المتقدّم والمتأخر ووحدتهما ، وملاك الثاني هو تأخر المتقدّم . وأمّا الثاني فلأنّ النسبة بينهما عموم من وجه فهما يجتمعان في الوسائط ويفترقان في الطرفين ، إذ الأوّل لا يأتي في أوّل السلسلة الَّذي ينقل الحكم الشرعي ، والثاني لا يأتي في آخر السلسلة المتّصل بنا الَّذي يكون خبره ثابتا عن حسّ .
ولا يخفى ما في التقريب الثاني من الخلط بين ثبوت الخبر واقعا وثبوته ظاهرا وتعبّدا . أو قل الخلط بين الخبر والكشف عنه ، فإنّ ما يكون موضوعا للحجّية هو نفس الخبر بوجوده الواقعي ، وما تحقّق بسبب الحجّية هو الكشف عن الخبر وثبوته عندنا تعبّدا .
وعلى أية حال فهذا الإشكال بكلا تقريبيه إنّما يأتي بالنسبة للأدلَّة اللَّفظية لحجّية خبر الواحد دون الأدلَّة اللَّبيّة ، فالاستدلال بالسيرة العقلائيّة مثلا لا يرد عليه هذا الإشكال ، فالسيرة لو قامت على الأخذ بالخبر مع الواسطة ، والمفروض كشفها عن الجعل الشرعي ، فهي تكشف عن الجعل بالنحو الَّذي لا يرد عليه هذا الإشكال كفرض كون الحجّية لجميع الوسائط بجعول متعدّدة لا بجعل واحد [ 1 ] . ولعلّ هذا هو الوجه في أنّهم لم يؤجلوا البحث عن إشكال الأخبار مع الوسائط إلى آخر أدلَّة حجّية خبر الواحد التي منها
شرح
[ 1 ] أو كون الخبر مع الواسطة حجّة ابتداء لثبوت الحكم الشرعي المنقول من دون أن يكون كلّ خبر مثبتا لما قبله .