الإرادة . وأما مقدّمية هذا الإبراز للفعل - بمعنى توقّف الفعل عليه في لوح الواقع بحيث لا يوجد في الخارج الفعل لو لم يوجد الإبراز المطابق للواقع مثلا - فهي ثابتة سواء تحقّقت الإرادة من المولى أو لا ، فما هو في طول إرادة المولى إنّما هو وجود الانكشاف لا مقدّمية الانكشاف ، فحال هذه المقدّمة هي حال سائر مقدّمات الفعل الَّتي تحرّك إرادة الفعل نحوها ، وذلك لأنّ نكتة المحرّكية نحو المقدّمة هي مقدّميتها لا وجودها . كيف لا ؟ ووجود الشيء إنّما يكون موجبا لانتهاء أمد التحرّك نحو إيجاده وانتفائه لا موجبا لوجوده [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] وثالثا - هب أنّ مقدّميّة شيء كانت في طول إرادة المولى ، فلما ذا يكون هذا سببا لعدم تحريك تلك الإرادة نحو تلك المقدّمة ؟ علما بأنّ تحريك تلك الإرادة تكون بمعنى خلقها لإرادة ثانية تتعلَّق بالمقدّمة ، لا بمعنى تعلَّقها هي بالمقدّمة كي يستحيل تعلَّقها بما في طولها ، فمثلا لو كانت إرادة المولى لكون العبد على السطح سببا لمقدّميّة وضع الدرج للكون على السطح ، فلو لا إرادة المولى لذلك لكان العبد قادرا على الكون على السطح بلا حاجة إلى الدرج ، ولكن إرادة المولى لكون العبد على السطح خلقت هذه المقدّميّة ، أفلا يشتاق المولى عندئذ إلى وضع الدرج ، رغم علمه بأنّ مطلوبه قد توقف لأيّ سبب من الأسباب على وضعه ؟ إلَّا أنّ الَّذي أفهمه من كلام المحقّق العراقي ( رحمه الله ) في مقالاته هو غير ما فهمه أستاذنا الشهيد ( رحمه الله ) من كلامه ، فليس المفهوم من كلامه ( رحمه الله ) افتراض أنّ المقدّمة الَّتي تكون مقدّميّتها في طول إرادة المولى لا تترشح إليها الإرادة ، كما أنّه لم يذكر هنا شيئا عن عدم الوجوب المقدّمي لإرادة المكلف للفعل الواجب ( على أنّ مقدّميتها ليست في طول إرادة المولى وإنّما هي ذاتها في طول إرادة المولى ) .
وإنّما الَّذي أفهمه من كلامه ( رحمه الله ) هو أنّ الخطاب إنّما يدلّ على فعليّة الحكم وإرادة المولى له ولمقدّماته بقدر المقدّمات الَّتي ليس وجودها في طول الخطاب ، أمّا المقدّمة الَّتي يكون وجودها في طول الخطاب ، من قبيل وصول الخطاب إلى العبد وحصول العلم به للمكلَّف ، فالخطاب لا يدلّ على لزوم حفظها وحفظ متعلَّق الحكم من ناحيتها . إذن : فالخطاب لا يدلّ على وجوب تحصيل العلم به على المكلَّف في صورة ما إذا كان المكلَّف قادرا على تحصيل العلم ، فضلا عما لو لم يكن قادرا عليه ، إذ حينئذ لا يكون للعبد محرّك في هذه المرتبة إلَّا بإحداث خطاب آخر شامل لمرتبة الجهل بالخطاب الأول كالأمر بالاحتياط ، وهذا غير لازم على المولى فله تفويت هذه المقدّمة والاقتصار على أصل الخطاب الأوّل . وهذا الكلام راجع إلى ما يقرب من الوجه