تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
شرح
وعلى أيّ حال فيرد على كلام المحقّق العراقي ( رحمه الله ) : أنّ تصدّي المولى لتحقيق المقدّمة الثانية بإيجاب الاحتياط - كما تصدّى لتحقيق المقدّمة الأولى مثلا - لو كان يستدعي منه صرف نشاط إضافي يتعبه مثلا . فقد يقال : إنّ إرادة المولى للفعل لم تكن بمستوى يحرّك المولى نحو تحقيق كلتا المقدّمتين ، وإنّما كانت بمستوى يحرّك المولى نحو تحقيق المقدّمة الأولى برجاء حصول باقي المقدّمات صدفة . إذن : فعدم تصدّيه لتحقيق المقدّمة الثانية ، لا ينافي تعلَّق إرادته الإلزاميّة بذي المقدّمة ، ولكن هذا لا يحلّ مشكلة المنافاة بين الترخيص في ترك الفعل عند الشك ، وتعلَّق الإرادة الإلزاميّة بالفعل ، ففرق بين افتراض أنّ المولى رغم تعلَّق إرادته الإلزاميّة بالفعل لا يوجب الاحتياط عند الشك فيبقى العبد وما يحكم به عقله من البراءة العقليّة ، فقد يترك الفعل اعتمادا على البراءة العقليّة ، وقد لا يتركه لعدم إيمانه بالبراءة العقليّة أو لعدم رغبته في الاعتماد عملا على البراءة العقليّة واقتراض أنّ المولى رغم تعلَّق إرادته الإلزامية بالفعل يرخص في ترك الفعل عند الشك ، ممّا قد يؤدي إلى ترك العبد للفعل حتى إذا لم يكن يؤمن بالبراءة العقليّة ، أو لم يكن يرغب في الاعتماد عملا على البراءة العقليّة لكن لا مانع لديه من الاعتماد على ترخيص الشارع نفسه ، فالإشكال هو أنّ هذا الترخيص نقض للغرض . هذا وجاء في ذيل عبارته ( رحمه الله ) التفكيك بين فعليّة الشوق وفعليّة الإرادة ، فذكر ما يستفاد منه : أنّ المصلحة أوجبت الحبّ والاشتياق ، ولكنّها لم توجب فعليّة الإرادة في مرتبة الجهل بالخطاب ما دام المولى لم يوجب الاحتياط . وجعل هذا نكتة لإثبات أنّ الأصل في الأحكام الظاهريّة هو الطريقيّة لا السببيّة ، إذ على السببيّة يلزم افتراض رفع اليد عن اقتضاء المصلحة للإرادة بجميع مبادئها حتى عن مقام الحبّ والاشتياق ، كي لا يلزم التضادّ بحسب المبادئ . أقول : لا يتوهم أنّ افتراض التفكيك بين عالم الشوق وعالم الإرادة قد حلّ الإشكال ، فإنّ الشوق إن كان أكيدا فهو الإرادة ، وإن لم يكن أكيدا فهذا هو إشكال التصويب . وهذا هو معنى عدم الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي . والخلاصة : أنّ هذا الوجه لم يوضّح لنا كيف يكون الشوق الأكيد فعليّا بالنسبة للواجب ، وفي نفس الوقت يرخصّ المولى بالترك بمثل جعل البراءة ، إلَّا إذا فرض حقيقة أنّ لوجود الفعل عدة جهات بعدد المقدّمات ، وأنّ إرادة المولى أو شوقه تعلَّقت ببعض جهات الوجود لا جميعها ، كما يتصور ذلك في باب الأجزاء . وهذا هو الَّذي يرد عليه إشكال أستاذنا الشهيد ( رحمه الله ) من الفرق بين باب الأجزاء وباب المقدّمات ، فتعدد الجهات والتبعيض في الإرادة إنّها يتصور في باب الأجزاء لانبساط الوجود عليها ، أمّا من باب المقدّمات فلا ينبسط الوجود عليها ، كي