وأحسن من جمع الكلام في المقام هو المحقّق العراقي رحمه اللَّه ، فنقتصر هنا على ذكر كلامه مع التعليق عليه ، ثم بيان ما هو مقتضى التحقيق في المقام فنقول :
قد أفاد المحقّق العراقي - قدّس سرّه - في المقام : أنّ موضوع وجوب التبيّن وهو النبأ يتصوّر وقوعه موضوعا على أنحاء ثلاثة :
الأول - أن يكون الموضوع هو ذات النبأ ، وتمام المعاني الأخرى الحاصلة من قوله : ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) تكون مندرجة في الشرط لا في الموضوع ، فكأنّ الآية قالت : النبأ إن جاء الفاسق به فتبيّنوا ، ومفهومه انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء مجيء الفاسق بالنبإ . ولانتفاء مجيء الفاسق بالنبإ حالتان : حالة انعدام النبأ بقول مطلق ، وحالة مجيئه من ناحية العادل ، وانتفاء الجزاء في الحالة الأولى يكون بنحو السالبة بانتفاء الموضوع ، وفي الحالة الثانية يكون بنحو السالبة بانتفاء المحمول ، فالمفهوم بحسب الحقيقة يكون منحلَّا إلى جانبين ، جانب منه يكون من السالبة بانتفاء الموضوع فيخرج عن باب الدلالة اللَّفظية ، وجانب منه يكون من باب السالبة بانتفاء المحمول ، فيتمّ المفهوم باعتبار هذا الجانب .
الثاني - أن يكون الموضوع نبأ الفاسق لا ذات النبأ على الإطلاق ، فكأنّه قال : نبأ الفاسق إن جاءكم فتبيّنوا ، وعليه ينحصر انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط بالسالبة بانتفاء الموضوع ، إذ لو لم يجئنا نبأ الفاسق لم يكن نبأ الفاسق الَّذي هو الموضوع موجودا حتى يجب التبيّن عنه أو لا يجب .
الثالث - أن يكون الموضوع النبأ المجيء به ، ويبقى الفسق في الشرط فكأنّه قال : النبأ الَّذي جيء به إن كان الجائي به فاسقا فتبيّنوا . وعندئذ يتمحّض المفهوم في السالبة بانتفاء المحمول بعكس الثاني ، فإنّ النبأ الَّذي فرض أنّه جيء به إن لم يكن الجائي به فاسقا كان ذلك مساوقا لمجيء العادل به ، لأنّ كون النبأ مجيئا به مفروغ عنه .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 410
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١٠