الاعتقاد لا يغني من الحقّ شيئا . فظهوره في كونه تعليلا بقاعدة كبرويّة مركوزة في الأذهان يؤكَّد عمومه لا تخصيصه بخصوص المورد أو إجماله .
والتحقيق في مقام الجواب عن هذه الآية وجوه ثلاثة :
الأول - وهو المهمّ - : أنّ هذه الآيات لا دلالة لها في نفسها على نفى الحجّية .
أمّا قوله تعالى : لا تقف ما ليس لك به علم فظاهر النهي فيها أنّه نهي إرشادي إلى ما يستقلّ به العقل من عدم جواز الاستناد في العذر وأداء المسؤولية إلى غير العلم ، بمعنى أنّه يجب أن يكون السند المباشر للإنسان ورأس الخيط لما يعتمد عليه هو العلم . ودليل حجّية خبر الواحد لا بد أن ينتهي إلى العلم حقيقة ، بحيث يكون السند المباشر لنا في العمل به هو العلم ، وهذا ما لم تنه عنه الآية الكريمة ، فيكون دليل حجّية خبر الواحد واردا على الآية . نعم العمل بخبر الواحد استنادا إلى إفادته للظنّ بالواقع منهيّ بالآية المباركة ، أمّا العمل به استنادا إلى العلم بحجّيته فهو غير منهيّ بها .
والشبهة التي يمكن طرحها في المقام من أنّ النهي ظاهر في النهي المولوي فلا مبرور لحمله على النهي الإرشادي أو فرض الإجمال ، إنّما يكون لها مجال على مستوى البحث العلمي [ 1 ] لولا ذيل الآية المباركة وهو قوله تعالى : إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا . فإنّ مقتضى التعليل بفرض المسؤولية في المرتبة السابقة على هذا النهي كون هذا النهي إرشاديا
شرح
[ 1 ] كأنّه إشارة إلى أنّ هذه الشبهة ليست عدا نقاش علمي ، ولا واقعيّة لها حتّى بغضّ النّظر عن ذيل الآية ، فإنّ النهي بحسب معناه الطبيعي ليس له ظهور في المولويّة ، وإنّما ينشأ هذا الظهور من سياق حال المولى ، حيث إنّ ظاهر حاله أنّه إنّما يخاطب العباد بما هو مولى لهم ، فإنّ هذا هو الَّذي يكون من شأن المولى لا كخطاب أيّ إنسان اعتيادي مع الآخرين . وهذا الظهور - كما ترى - لا يمنع عن حمل النهي في المقام إلى الإرشاد ، إذ من شأن المولى أيضا إرشاد العبد إلى الالتزام بما تقتضيه مولويته كالتنبيه على طاعة الله تعالى وترك معاصيه .