بمراجعة ما مضى في بحث قيام الأمارات مقام العلم - إنّما هي التنجيز والتعذير المترتبين على العلم الطريقي والتعبّد بالآثار الشرعية المترتّبة على العلم الموضوعي ، دون التعبّد بالآثار والملازمات التكوينية للعلم ، فمن كان علمه بحياة ولده يورث له السرور ، ودلّ خبر الواحد على حياته لم يكن معنى حجّية هذا الخبر ان يتعبّد بكونه مسرورا ويرتّب الآثار الشرعية للسرور مثلا .
الثاني - أنّه وإن لم تكن هناك ملازمة بين الإجماع أو التواتر وصحّة المصبّ ولكن تكفينا الملازمة بين العلم بالإجماع أو التواتر والعلم بصحّة المصبّ ، لأنّ إخبار الثقة بالإجماع أو التواتر كاشف عن استعداده للإخبار بالحكم أو الخبر ، وهذا الإخبار وإن لم يكن إخبارا عن الحسّ ، لكنّه إخبار عن حدس يقرب من الحسّ ، وهو الحدس الَّذي يشترك فيه جميع الناس وهو حجّة بلا إشكال . وهذا البيان إنّما يتمّ فيما إذا كان ما نقله من الإجماع أو التواتر بمستوى لو ثبت لأوجب لدى عامّة الناس العلم بصحّة المجمع عليه أو الخبر المتواتر ، دون ما لو كان بمستوى يراه بعض الناس تواترا مفيدا للعلم أو عددا كافيا من آراء الفقهاء للحدس القطعي بالحكم ، ولا يراه عامّة الناس كذلك . إذ عندئذ لو فرضنا أنّ الناقل كان ممّن يرى كفاية ذلك في ثبوت الحكم أو الخبر فلا يعدو إخباره عن كونه إخبارا عن حدس غير قريب من الحسّ .
ولو كان ما نقله من الإجماع أو التواتر بمستوى يوجب العلم لعامّة الناس بصدق الخبر أو صحّة الحكم ، كفى ذلك في ثبوت الخبر والحكم ، ولو فرض الناقل صدفة غير قاطع بصحّة الخبر المتواتر أو الحكم المجمع عليه لابتلائه بالوسوسة وكونه بطيئا في حصول القطع والقناعة ، لأنّ العبرة في باب حجيّة خبر الثقة إنّما هي باستعداده للتأكيد على الخبر على تقدير الحالة الاعتيادية للعقلاء . وهذا حاصل في المقام ، ولا يضرّ بذلك عدم تأكَّده هو
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 309
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٠٩