أقول : ما ينبغي أن يقصد بكلمة الملازمة العقلية والعاديّة والاتّفاقية يجب أن يكون هو التقسيم بلحاظ مصبّ الملازمة لا بلحاظ ذات الملازمة وحقيقتها . توضيح ذلك : أنّ الملازمة في الحقيقة دائما عقلية فهي دائما تكون على أساس العلَّية والمعلولية وهي عقلية لا محالة ، وملازمة شيء لشيء تعني استحالة انفكاكه عنه . نعم يختلف الأمر باختلاف مصبّ الملازمة بالقياس إلى ما يؤخذ بعين الاعتبار . فتارة يفترض أنّ الملازمة وقعت بين ذات الشيء وشئ آخر بلا قيد أو شرط كاستلزام وجود جسم في مكان لعدمه في مكان آخر وهذه نسمّيها بالملازمة العقلية ، وأخرى يفترض أنّ استلزامه للشيء الآخر مشروط بشرائط وخصوصيات . وعندئذ تارة يفترض أنّ تلك الشرائط والخصوصيات مقترنة للملزوم في عالمنا دائما أو غالبا ، كما في استلزام دوام العمر بمقدار مائة سنة مثلا للهرم ، وهذه هي الملازمة العادية ، والملازمة في الحقيقة ليست بين ذات دوام العمر بهذا المقدار والهرم ، وإنّما هي بين دوام العمر بهذا المقدار ضمن خصوصيات معينة والهرم ، وبرفع تلك المقارنات في عالم الآخرة تختفي الملازمة بين العمر والهرم كما هو الحال في الدنيا أيضا حينما يتّفق انتفاء تلك المقارنات كما اتّفق بالنسبة لمولانا صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، وأخرى يفترض أنّ مقارنة تلك الشرائط والظروف للملزوم اتفاقية وليست دائميّة ، أو غالبية ، كما في استلزام التعايش في البلاد الحارّة للابتلاء بمرض السلّ مثلا وهذه هي الملازمة الاتفاقية .
فإذا اتّضح ذلك ، قلنا : إنّ حصول العلم من إجماع العلماء أو تواتر المخبرين أو استفاضتهم أو اتّفاق المرؤسين على رأي ممّا يدلّ على رأي الرئيس ليس على أساس الملازمة العقليّة ولا العاديّة ولا الاتّفاقية .
ولتوضيح المطلب نركَّز الكلام على أجلى هذه الأمثلة في ما ادّعوه من الملازمة وهو التواتر فنقول : إنّ تواتر الأخبار بموت زيد يورث القطع بموته ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 294
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٩٤