ذاك القسم . والآية المباركة من هذا القبيل حيث قسّم الكتاب إلى قسمين آيات محكمات وأخر متشابهات ، ثم ذكر أنّ الذين في قلوبهم زيغ يتّبعون أحد القسمين وهو المتشابهات ، وهذا يعني أنّهم يقتصرون على العمل بالمتشابهات . ومن الواضح عدم جواز العمل بالمتشابهات حتى مع فرض شمولها للظواهر لا على ضوء المحكمات والنصوص . فالعمل بالظواهر يجب أن يكون بعد مدارسة النصوص والمحكمات التي يحتمل قرينيّتها لفهم المقصود من تلك الظواهر ، أو أنّ أصل التبعيض في الدين والعمل بقسم دون قسم أيضا غير جائز .
فذمّ مثل هذه الطريقة التبعيضيّة لا يدلّ بوجه من الوجوه على ذمّ اتباع المتشابه المقرون باتباع المحكم وعلى ضوئه .
وهنا بحث آخر في مقام النقاش في الاستدلال بالآية الكريمة لعدم حجيّة ظواهر الكتاب وهو أنّه ما معنى المتشابه ؟ . فهم بعد أن تسالموا على أنّ المتشابه هو الكلام الَّذي له عدّة معان بعضها يشبه بعضا اختلفوا في أنّ هذا الشبه الموجود بين المعاني هل هو الشبه في أصل علاقة تلك المعاني باللفظ حتى تشمل كلمة المتشابه الظواهر ، أو هو الشبه في درجة العلاقة باللفظ فلا تشمل الظواهر لأنّ درجة علاقة المعنى الظاهر باللفظ أشدّ من المعاني الأخرى ، وليست المعاني متشابهة في درجة العلاقة باللفظ .
أقول : إنّنا حتى إذا قلنا : إنّ درجة الشبه هو أصل علاقة المعنى باللفظ . فكلمة ابتغاء تأويله ( بناء على ما فسّروا به التأويل من حمل اللفظ على معنى غير قواعد اللَّغة وقواعد اللسان ) قرينة على أنّه لا يقصد باتّباع المتشابه ما يشمل اتباع الظاهر فحتى لو كان لكلمة المتشابه إطلاق يشمل الظاهر فهذا الإطلاق مقيّد بكلمة ( ابتغاء تأويله ) .
هذا كلَّه حسب ما تسالموا عليه من أنّ المتشابه في الآية عبارة عن اللفظ المتشابه المعاني ، والتأويل عبارة عن حمل اللفظ على غير ما تقتضيه قواعد اللغة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 224
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٢٤